مقاصد الشريعة مؤشرات على سلامة أواعتلال الاستمداد الفقهي من أدلته التفصيلية النصية، أوالقواعدية الاجتهادية خارجَها، وعلاماتٌ على الأحكام بعدها، كالحكم الوضعي قبلها، وقد يصيب الفهم أويخطئ، فتُبَيِّن لنا المقاصد الشرعية بحسن النظر فيها النتيجة الحكمية ولو ظنا.
وقبل بيان مسألة تعارض المقاصد، والجمع أوالترجيح بينها، نقول إنها ليست منحصرة في الكليات الخمس، المندرجة ضمن مقصد واحد مهم هو حفظ الكليات الخمس الضرورية، رغم بناء الحاجيات والتحسينيات بدرجاتها عليها، وتقارب مقاصد أخرى معها، ولقد أطلق أصوليون كثر على الكليات اسم المصالح ولم يعتبروها مقاصد لوجود غيرها خارجَها متناثرةً في النصوص والاستقراء، ومنه يُمْعِن الكثير في التركيز عليها وإهمال غيرها فينحرف بهم قارب الاجتهاد لاستنباط الأحكام للمستفتين والمستشيرين.
إن الأحكام الواضحة اليقينية أوالظنية المنصوصَ عليها، وبلا تعارض، لا تحتاج إلى المقاصد كأمارات، إلا استئناسا وتطمينا، وقد تتقارب هنا مع الحكمة، أوالسر الفقهي الروحي.
فإذا حدث التعارض بين أحكام منصوص عليها أوغيرها، بيقين أوظن، واستحال الجمع بينها نلجأ إلى القراءة الصحيحة للمقاصد المتجاذبة في المسألة للترجيح، فيُعمل بالحكم الذي سانده المقصد الراجح بالنظر الاجتهادي المؤهَّلِ المضبوط.
والنظرُ فيها بعدي وقبلي، بعد اقتراح مشروع الحكم إن كان فهما أواجتهادا، وقبل إصداره، فإذا كان بعد إصداره فتبرير له، أوعليه، وتعليقها عليه، لا تعليقه عليها، وهذا ما يحدث لبعض أهل العلم الأجلاء الأفاضل رحم الله أمواتهم، وحفظ أحياءهم، بسبب خطأ الأفراد والمؤسسات.
وأهم حالاتها:
1/التوافق الطَّردي.
كوجوب القصاص، المطّردِ مع مصلحة حفظ النفس.
أوإباحة التنازل عنه المطردة مع مقصد الإصلاح.
أووجوب العلم المطرد مع مقصد الاستخلاف.
أووجوب حد الزنا المطرد مع مصلحة حفظ العرض والنسب.
2/التعارض العكسي.
كتعاطي الربا المتعارض ومصلحة حفظ المال.
أوتعاطي الخمر المتعارض ومصلحة حفظ العقل.
أوالتعامل بالميسر المتعارض ومقصد المودة.
أوالتفرقة بين الرجل وزوجته إذا حلف بالحرام، أوتفعيل البينونة الكبرى بالطلاق الثلاث كلمةً واحدةً المتعارضان مع مقصد جمع الأسرة.
أومنع ولاية الخال بانعدام العصبة عند القائل به، المتعارض ومقصد الإعفاف.
3/تعارض مصلحتين أومقصدين.
كقطع يد السارق يتعارض فيه مصلحتا حفظ النفس، وحفظ المال.
أوصيام المريض تتعارض فيه مصلحتا حفظ الدين وحفظ النفس.
أوقتال العدو تتعارض فيه مصلحتا حفظ الدين وحفظ النفس.
والقارئ الجيد لهذه الأمثلة أولغيرها يدرك بالتفكر والتدبر اختصاص أهل العلم والاجتهاد المقاصدِيِّين بتفكيك التعارض وإخراج المقصد الراجح منها لتنزيله على الأحكام والوقائع، بدون خُلْفٍ، بسبب الملكة الأصولية والمقاصدية، والخبرة المتمرسة بتطويع مسائل يتقنها ذهن العالم، كما يتقن اللسانُ الذكر والقرآن، وطرح المرجوح رغم رجحانه في مسائل أخرى.
أما مضاهاة الذهن لها، أوالتبرير بها، خاصة مع المشاريع أوالمؤسسات المستشيرة على أساس الإعلام لا الإلزام، فيعتبر لَيًّا للذراع الشرعي موافقة أوطمعا.
فلا يستقيم التمسك بمصلحة حفظ الدين مخالفة لغيرنا بصيام اليوم التاسع للعاجز وإهدار مصلحة حفظ النفس.
وحفظ الدين بالجهاد دون ضوابط لرجحان حفظ الأنفس عليه.
أوإلغاء العقوبات الشرعية بقصد صيانة الإنسانية. أوإهدار مصلحة حفظ المال بالسرقة، أوإباحة مشاريع ربوية لمصلحة حفظ النفس، لأن مراعاة بعض المصالح الموهومة، تتعارض مع النصوص القطعية الموجبة أوالمحرمة أوالمبيحة ثبوتا ودلالة.
فلا ينبغي توهم أوصناعة مقاصد أخرى في الذهن ثم في الناس، لتبرير أمور فلتت من أهل العلم حيلةً أوتَغْيِيبًا متعمَّدا، وقلنا إن المقاصد مجرد مؤشرات لا نحتاجها مع النصوص الصارمة، إلا استئناسا كما سبق.
والشريعة بمعالمها الثرية هي الحاكم، ولا تجرفها غوغائية العوام عن سواء سبيلها، فتتعلمن الشريعة، عوض تشرعن الحياة.
Tags:
شرعيات
