يولد الإنسان بريء الذهن والبدن والطوية، أما البدن فيعتاد نظما تحفظ سلامة حياته.
وأما الذهن والطوية فيختاران أساليب تحصيل ما فطرا عليه، بالحسن أوالقبيح، حسب الضمير الإيماني والقيمي، تأثرا وتأثيرا.
كل كيان إنساني حرّ في انتهاج حياة مبنية على قيم مقنعة ومرتبة تختلف أوتتوافق مع نظرائه، تترجمها سلوكات معبرة.
قد نجد توافقا عالميا في بعض القيم، وخاصة عند الطبقة المثقفة على اختلاف مشاربها، كقيم الدين والنفس والعقل والمال والعلم والعمل والأخلاق، رغم اختلاف واضح في تفاصيلها.
ومن هذه المسلمة غالبا، تحدث شبه مناعة قيمية حصينة ذهنيا وسلوكيا في الاتجاه الصحيح، للمجتمعات والأسر والأفراد من الأمراض عند أصحاب القيم الصحيحة المستمدة كلها أوبعضها من مبادئ الكون وسنن الله فيه.
والاتجاه الصحيح يرتب القيم قبل السلوكات المعبرة عنها ترتيبا منطقيا، كما يرتبها ويوازن بينها قبل المطلبيات والأهداف، تتقبله الفئات العالمة والمثقفة.
أقصد هنا القيم الصالحة، لأن أنواع القيم خاضعة للاختيار، قد يتشكل للمرء كليات حسنة صالحة هي قيم عنده، أوكليات فاسدة هي قيم عنده، ولهذا تختلف سلالم القيم بين متدرجيها، لاختلاف كليات الحياة وسلم ترتيب أولوياتها.
إن المناعة القيمية هي المحصِّن من الوقوع في الأوبئة، كرصيد اجتماعي وأسري وبيئي نتيجة تفاعلات يومية مع الواقع وتجاربه الناجحة التي تُثَبِّتُ الكليات الصالحة، أوالفاشلة تقي الحذِرَ الكليات الفاسدة، أوكدواء معالج في حال الخلل.
إنها تُسَرِّعُ عملية الرشد الاجتماعي والفردي والأسري، والنضج الأخلاقي، والمنطقية الاختيارية، وتكسب سرعة فهم الموافقين والمخالفين، وتهب ملكة التفاعل الحسن مع أصحاب القيم الصالحة، والتفاعل المتحفظ مع أصحاب القيم السيئة، ويمنع العلل المكانية والزمانية، والانتكاسات بعد التنبيه، وتملأ الرصيد الجمعي والشخصي، بما يمنع النزاعات والتسللات والمفاضلات السيئة، المنتجة لردود أفعال مختلة.
أما إذا أصيبت المناعة القيمية بالضعف عن طرد البكتيريا النفسية والسلوكية والفكرية والعاداتية، فيتدرج السفه الاجتماعي والفردي والأسري، الذي قد يصل إلى التعفن، وتَحُلُّ الحماقة الأخلاقية بسلاسة مناورة، واختيار الفوضى، وبطء أوانعدام فهم الآخرين، والتباس التعامل مع الواقع، وتطبيع الاحتكاك بالقيم السيئة، بغفلة عن الخطر الداهم، فتسري العلل، ويستمر الانتكاس بتجاهل ضرورة العلاج، في التعليم والإدارة والسياسة والسلطة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتجوَّفُ الرصيد الاجتماعي والفردي، وتختل الموازين، فتقوم الدنيا ولا تقعد مستنكرة التصحيح، وتتغافل عما هو أخطر ولو من جنسه، وتعتم الصورة الفاتحة، وتسطع الصورة القاتمة، يقدم المؤخر، ويؤخر المقدم، ويرفع الذليل، ويذل العزيز، ويخون الوفي، ويصدق الخائن، ويخلط الحابل بالنابل، لأن قوة الإصابة تفقد التوازن، فيتطلب وقتا وجهدا كبيرا لإعادة صياغته من جديد، تنهض له النداءات والكتابات والخطابات الصارخة لأجل العودة التي سيستهتر بها.
إن أمتنا مذ خالطت غيرها بدون وقاية، محسنة الظن في سرائر الآخرين، اختلت قيمها، فضاعت حضارتها.
لقد ظن محرروا أمتنا من الاحتلال صفاء شعوبها وأراضيها، لكن الاستعمار ترك نجاساته كما يترك الجن سحره إذا خرج من الممسوس.
ومع السكوت، والاشتغال الفردي، والاهتمام الخاص، دون العام، واختراق السوسة، سينقسم المجتمع إلى فئات سميت أجيالا، يتكرس معه إشكال التقبل، بحجة حق كل جيل في وقته، وتصرفاته، وشكله، وطبعه، حتى تتغلبَ أعراضه، فيدخل المجتمع مرحلة العناية المركزة للاستشفاء.
نخشى أن يمتلك الداء مناعة ضد كل قيمة حسنة، كما امتلك عري سكان الأمازون المناعة ضد تقلبات الطبيعة.
إن العلماء والمثقفين والحكام والعاقلين مفروض عليهم ضرورة النظر، والبحث عن الأسباب المرضية وأعراضها لتشخيص الداء والدواء، ومجالات تفعيله وأوقاته لضمان تقوية المناعة القيمية من جديد، وحسم أسباب ضعفها.
Tags:
فكر
