أُنْزِلَ القرآن ووردت السنة، لتعبيد الناس لربهم، وهي سند له، بالتفسير، والبيان، والتخصيص، والتقييد، وغيرها.
والعمل الصحيح بالوحي، يقتضي اجتماعهما، لتفعيل انسجامهما العلمي والفقهي والفكري أثناء الالتزام بالتشريع.
لكن البعض ظن العبادة الحياتية مقتصرة على السنة دون القرآن.
فركزوا على شكليات تطبيقية، في صور يغلب عليها الافتخار والرياء المبطن بنشر السنة وإحيائها، ما أوقع الفقهاء وأهل العلم المعتدلين في صراع تشاحني، استدرجهم بمنعٍ مناورٍ من علاج قضايا كبرى بإسقاط الأحكام الشرعية عليها، وإخضاعها لها، كصيغ السكن، والتطبيب، والمقاولات، والتجارة، والتعليم بحالاته الكثيرة شكلا ومضمونا، والبنوك، والشركات، وكيفية الزكاة الواجبة على هذه الجهات ومقاديرها وأنصبتها وأزمنتها.
لأنهم وجدوا أنفسهم أمام حتمية انتشال الأمة من علل ومظاهر مرضية أخَّرَتْ البحث والاجتهاد فيما سبق ذكره.
وبعدما نهضت جحافل الصحوة التي تحولت إلى حركة إسلامية بتنظيماتها الكثيرة، آلت إلى تشكيلات حزبية سياسية، وضاقت الأنظمة الوظيفية ذرعا بانتشارها، أنشئت تنظيمات متدينة موالية لها، أصبح دورها تكسير شوكة الحركة الإسلامية، وإعداد قائمة التهم على رأسها الابتداع لصد العامة عنها، والتنظير الأعرج لطاعة ولي الأمر دون قيود، وعوض مراقبة الخارجين عن دين الله لدعوتهم، أَوْرَدِّ المنحرفين إلى سواء السبيل، أصبح الاشتغال هو ضرب صفوف المحاكين، لإثبات مظهر التدين والحرص على العمل بالسنن، وهذا شيء مقبول، لو عُمِلَ معه بموجبات القرآن، مع التطبيق السليم لها أحوالا، وأوقاتا، وشروطا.
إن فرض السنن وإحياءها أمر له ثوابه، وإظهارها بغية انتشارها ودعوة الناس إليها عمليا، أسلوب دعوي، لكن حتى العمل بها خفية ابتغاء رضوان الله، وثوابه الخالص شيء مرغب فيه لتجريد الأعمال له تعالى، أما إحياؤها بتلك الأشكال التي توحي بالاختيال على الغير، لهو أقرب إلى الشرك من التوحيد المزعوم.
إن الله تعالى لم يتعبدنا بمقارنة غيرنا، ولا بالافتخار عليهم، والتعالي الرتبي فوقهم اقتداءً، كما لم يتعبدنا بالمشقة، رغم ثوابنا عليها إن واقعتنا أثناء الامتثال.
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد إلى العمل بسنته للتطاول بها على تاركها، فهما، أوبحثا، أوتقصيرا، بل دلنا على النظر إلى رحمة الله وتوفيقه للعمل بها، وإلى الخواتيم الغيبية، فلعل الله يهدي الضال، ويبتلي المهتدي فينجح أويفشل، وعلاجه الاعتراف لله بالفضل، والتواضع والصدق أثناء التنفيذ، لا لمراءاة الناس، أومشاكسة المتحفظين باجتهاد علمي أوتقليد مذهبي، لأن الإخلاص والتجرد لله وحده يكفي معه أداؤها بالاختفاء بعيدا عن الأعين لأن المقصود هو الله وليس عباده، وإذا ظهرت أمام البعض فيكفي لها انتشارا، وبدون مبالغة في غير محلها، إنما بخشية الرياء خير من التباهي نكاية في المخالفين الموصوفين بالابتداع.
فسنة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة، ليست إذنا في تعمد الدخول المتأخر للمسجد دون عذر، ثم التظاهر بها أمام الناس عوض الله تعالى، ولنمثل به سننا أخرى، يستدرج محييها نحو الاختيال بها.
إن سبب مشاكسات وتعصب ورياء البعض المغطى بإحياء السنة، هو تحفظ المقلدين المتحسسين من كل متمرد على التقليد، سواء لاستقلالية العقل والبحث والنظر، أوللتمذهب وللتقليد الجديد مع ظن إحسان الصنع.
إن الفرار من تحليل المسائل والتفقه فيها وتفسيرها وتعليلها، قصد التطبيق الصحيح، لِجَهْلٍ كبير يُعَسِّرُ الوصول إلى ذلك لفقدان المؤهل العلمي، هو ما أثار بعض حارسي العلم نحو التعامل معهم بغلظة فقهية.
فلينظر الكل إلى:
1/ضرورة الاستماع للفقهاء والاستفادة منهم في تفسيرات وتطبيقات السنة.
2/تشجيع محييها، والكف عن الإنكار عليه، والتحفظ منه.
3/فتح النقاشات حول آليات تنفيذها، للمعالجة من الافتخار أثناءه.
Tags:
شرعيات
