الإنسانية وأنياب السياسة


إن الله تعالى خلق بني آدم ورغبهم في التعارف والتعايش، والمودة والرحمة.
لكن أكثرهم أدار ظهره للمقاصد الربانية في سنن الله الكونية، فخابت حاجتها إلى التدافع الحسن، ووقعت التضحية بالإنسانية.
إن ما حدث من تجاذبات سورية بين السلطة والمعارضة حول مناطق النفوذ بمنع توصيل الدعم الإنساني اللازم من المعابر إثر زلزال يوم 06 فيفري 2023م الموافق لـ 15 رجب 1444هـ، ينذر بهدم المعالم الإنسانية عند مجرمي التضاد الآدمي، وانهيار القيم الأخرى تدريجيا.
إن النظام الإسلامي رعى الإنسانية بمستويات راقية جدا، ولو أثناء اصطكاك أسلحة الحروب، كدفن جثث المشركين في بئر بدر، إنجاء على الأقل للبشرية من انتشار الأمراض بعد تحللها في العراء، وكحسن معاملة الأسرى، وعدم تعذيبهم، واحترام أعراضهم ودمائهم إلى وقت تحريرهم، وكقبول المسلمين مجاورة اليهود والنصارى لولا خيانتهم العهود، وكرواية غير واحد من أهل العلم أن عمر فرض راتبا لشيخ يهودي كان يتسول ليدفع الجزية، بعد استنزاف قوة شبابه، وعناية صلاح الدين الأيوبي بالضعفاء أثناء إجلاء النصارى من بيت المقدس، وصور الإنسانية في حرب صفين حينما كان علي رضي الله عنه يصلي على قتلى فريقه وفريق معاوية رضي الله عنه.
إن الضغينة الحربية والسياسية السورية بين السلطة والمعارضة، الملفقة بالحذر الأمني، تعبير جديد بلا شك عن هشاشة أساسات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يُتَجَاوَزُ أثناء مناسبات احتكاك حربي أوسياسي أوطبيعي.
عَهِدْنَا في الحروب توقيفها بهدنات، وفتح المعابر لتمرير الموتى والجرحى، وتبادل الأسرى، وتيسير مرور المعونات الإنسانية من غذاء ولباس.
لن نبرر ولن نغفر لسلطة سوريا ومعارضتها إحكام الحصار المتبادل، والفتح المتأخر للمعابر، وتعسير وصول الإعانات بعد الزلزال، والإبقاء على الحصار الجوي من القوى الكبرى القابضة على أطراف الأحبال كالولايات المتحدة الأمريكية والروس، والمتخفين كشيعة لبنان وإيران، رغم تعيبهم على رعاة الغنم الأرق قلوبا.
إن من دهاء المنظمات الدولية مساهمتها في تعفن الأوضاع الإنسانية في العالم عموما وعند المسلمين خصوصا، ثم تدخلها لتوحي بخبثها أن حقوق الإنسان لا تنال إلا عندها.
لن يقدر الإنسانية إلا الإسلام، لأنه منسجم فطريا معها، عكس الفلسفات اللاهوتية والمادية والداروينية المتناقضة التي لم تمنع الانتحار والأمراض العقلية، ولاستغراقه التعايش والسلم العالمي، والتكافل الاجتماعي في السراء عموما، وفي الضراء خصوصا، رغم ذهول المسلمين عنه.
لا نجبر الناس على فرض التعايش إن هم رفضوه، ولكن ندعوهم إلى المصارعة بين الأصحاء، أما المصابون بضعف الطفولة والشيخوخة والمصائب والكوارث فلينقذوهم ثم يصارعوهم بعد امتلاكهم أسلحة الصراع.
فلا يعقل سماع أنين المدفونين الأحياء تحت الردم، والشعور بجوع الناجين، وعريهم، واحتياجهم للفحص والدواء والمأوى، وغيرها، ثم يعطل كل ذلك بسبب مناكفات معظمها مصلحي.
لأن الضحية هو الشعب السوري المتَتَرَّسُ به من قبل السلطة والمعارضة.
لا نريد تأسيس معادلة مفادها العداء يساوي التعسير والتعذيب والتنكيل.
ولا نريد للسلط الحاكمة التي تعذب وتؤلم كل من وقع في شراكها توظيف شنآنها في سياسة أوأسلوب لإدارة دواليب التسيير.
نريد من حكومات العالم نسخ ولصق قواعد حقوق الإنسان من التشريع الإسلامي لأنه الأدوم والأصوب والمواكب لكل تطورات الحركات والاحتكاكات البشرية في كل زمان ومكان.
أدعو الباحثين والمعجبين ببعض تشريعات الإسلام، إلى استنباط حقوق الإنسان في الإسلام وسبر أغوارها، وإدراجها ضمن بنود هذا الإعلان العالمي.
وأدعو إلى تحديث الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتطويره ليواكب المستجدات النزاعية غير المنصوص عليها فيه منذ صدوره، ولضمان حقوق إضافية للإنسانية ضد الافتراسات الحيوانية في الصور السلطوية.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم