لو خُيِّرْتُ بين النظام الجزائري وسلطته على عِلاَّتِهما، والنظام الفرنسي وسلطته، لاخترتُ الجزائر، لأن الارتماء في أحضان فرنسا دليل عمالة، وتعفن بماضيها المقيت.
إنها دولة البهيمية والاستدمار والظلم لا دولة الحرية والإخاء والمساواة.
انبهار المستلبين بمدنيتها المستقوية بالخام الجزائري أمر مضحك.
لن يجلب النضال بموالاتها سدادًا في بناء دولة القانون، والدستور، والعدالة، والحرية، وإنما مزيدَ استيلاء على مقدرات البلاد ومسخ هويتها بالقرب أوبالبعد، مقولبا بالعلاقات والصداقة كما ناورت بتلك الأكذوبة في إفريقيا حتى ناهض الشباب الإفريقي سياستها، وبدأ طردها بالتدريج.
من حقنا معارضة النظام والسلطة، لنقصهما البشري، فالكمال لله وحده، ومن واجبهما العمل بنصائح المناضلين، للاستفادة مما يشد الأزر في التسيير، ولن أرضى عن أداء النظام والسلطة إلا إذا رأيت كتابا وسنة بنصوصهما مطابقة وفهما، أواستنباطا اجتهاديا، أوقواعدهما المستخرجة منهما، لكنني لن أسمح لنفسي باتخاذ فرنسا منطلق نضالي، ولا منبرا له، ولا الاستقواء على بلادي بمرتادي الحانات، ومحتسي كؤوس الخمر، ومتقلدي الصليب، وممتهني العمالة والتقسيم والانفصال، وإلا فليس لي حق ادعاء المعارضة، لأنها ستقود حينذاك إلى منحى يرضي الكيانات المعادية لله ولرسوله وللجزائر.
من حق العامة المتابعين للشأن الداخلي، المكترثين له، أوالمتأثرين بالإعلام الناشط داخلها، المطالبات الكثيرة لتطبيع حال السياسية والاجتماع والمال والثقافة والعلم والحرية والعدل، وليس التبرير للملتجىء إلى فرنسا بأية حجة.
وللنخبة المثقفة التحفظ على كل أداء، لا لَيُّ الأفكار والتبريرات والمصطلحات لتزيين فعلها، لأن فرنسا ستضيفها رقمًا جديدًا في قائمة المستخدمين، دون البكاء عليها، وهي تحسب إحسان الصنع.
إن المعارضة لا تبرر لأيٍّ كان التناغم مع مثل هذه الحثالات بحجة التوافق في الموقف.
لجوء المعارض إلى فرنسا ولو بحسن نية توظيف لنفسه في التمكين لمخادعاتها ومناوراتها وصولاتِ وجولاتِ سفرائها داخل البلاد لتسخير أكبر عدد ممكن لأغراضها، في غفلة السلطة، ثم الخضوع لمكرها إن فرضت الأمر الواقع، لأن لها اليد الطولى في الوصول، ثمَّ دفع الثمن البخس.
التوظيف المبطن لا يعبر عن قناعة فكرية راسخة، أوإرادة حقيقية لكشف سوء التسيير، لفرض واجب التحول الديمقراطي التحرري الفعلي.
فظاهره من قبله النضال، وباطنه من قبله الانتماء العقدي والفكري والثقافي الفرنسي الذي نتوجس منه خوف استغراق البلاد وإغراقها في وحل الغزو ثم تسليمها رخيصة لاستعمار جديد مباشرة أووكالة.
إن اللجوء إليها وبجوازات سفرها مختوم فيها على جنسيتها، ازدواجية نفاقية غير مقبولة في قاموس السياسة.
يضحكني تأثر بعض العوام ــ بسبب مذاق المعارضة ــ بالإعلام غير الممحص لحال الهاربة بأيدي المخابرات الفرنسية ــ وأتمناه طعما ــ، وهي تتلوث بالوحل الاستعماري كما لم تتنظف منه أبدا.
أدعو كل من يريد النضال والمعارضة الفكرية والعلمية والسياسية الناصحة أن يحافظ على نظافة اليد والتاريخ، لأنه شاهد، وقبول الاحتكاك التدافعي، أفضل من الاحتماء بعدو لا يألو جهدا في اختراق العراك لتحريكه وتعكيره وقضاء مآربه، ثم لا يبالي أبدا بمن نصره ولا من احتمى به ولجأ إليه، لأن الواقع لحرب المصالح لا للاعتراف بالجميل، لقد اختار هؤلاء طريقهم الملوث فآن للمخلصين المغررِ بهم المصطفِّين معهم أن يختاروا تنظيف طريقهم، وأن يستفردوا به في معارضة النظام والسلطة، كي تكون أهدافهم غير أهدافهم.
اللجوء بالنضال إلى العدو خيانة، وإلى الصديق استشفاع.
Tags:
سياسة
