الاختبارات بين التلاميذ والأولياء

بحلول الاختبارات الفصلية يشمِّر الأولياء لمراجعة أولادهم، في سباق المقارنات مع الزمن.
ويصبح التلميذ حافظًا كوعاء محشوٍّ، ثم يعود من المؤسسة إلى البيت للمحاسبة، وقياس مؤشر التفاوت مع الأتراب.
فيخضع بهذه الضغوط لثلاث مراتب، الحفظ، المؤسسة، البيت، مع بعض التحفيزات ليواصل مسابقة الأتراب.
هذه التقاليد الجديدة لن تنتج نوابغ، لعدم الاستقلال الذاتي، ولعدم الاعتماد على النفس بحرية، ومناعة خاصة، ليوظف قدراته الحقيقية الراغبة.
والأمهات غالبا هن مصدر التوجيه الخاطئ المدمِّر بسبب التسابق، ونقص الاقتناع بالمصدرية الربانية للرزق، وعقدة التفوق.
فالأستاذ والدكتور والطبيب والمحامي والوزير وأصحاب المناصب السامية تأبى نفوسهم الفشل الدراسي لأولادهم على مرأى المجتمع، وكأنه تعبير عن تشوه النسخ، مع وجود مشرفين على تمدرس أولادهم متسربين مدرسيين فاقدين لما يريدون توريثه.
من شابه أباه فما ظلم، بل صدق، لكن عكسه دليل التعددية النوعية في الأسرة، إثراءً لمجالات مسيرة الحياة.
إعانة صغير الابتدائي في إطار رفع الوصاية المعيقة، وتحرير الولد دراسيا سيعلمه ابتكار الحلول للمشكلات الحياتية المختلفة.
والمهمة الأساسية للوالدين هي توليد وتنمية وتقوية ومرافقة الرغبة الدراسية والاندفاع الشجاع نحو النفع في الحياة.
لكن الواقع معكوس، فنجد آباء يفرغون أولادهم من الشحنات الموجبة، بالصراخ والضرب والشتم والإهانة والعادات السيئة بحضرتهم، يحيلون حياتهم جحيما مستعرا، وعند الاختبارات يريدون منهم التفوق، هذا لا يستقيم، مع المشهد العائلي الرديء.
قيمة العلم عظيمة مقدسة لكنها لا تعني تمكن الجميع منه، لتعلق الأمر بقدرات مختلفة.
المجتمع النموذجي للصحابة رضي الله عنهم في نظرنا كان فيه أهل العلم، وكثير من العوام، ولم يعبهم أحد.
لا يتوصل إلى المراتب العلمية العالية بحشو الذهن، وإنما براحة معنوية من بكورة حياة الطفل، والترغيب في العلم، وتحبيبه إليه، بأساليب غير مباشرة أكثر من المباشر، ليندفع إعجابًا وانبهارًا، فلا تعاق إرادته الجموحة، وبحوثه، وتلذذه بالتعلم، وما الإطارات العلمية السامية إلا وليدة هذه الأساليب.
دفع الولد نحو المراجعة والحفظ والتفوق بتحريضه على الآخرين، ومقارنته بهم، خطأ جسيم، يصرفه من مسابقة نفسه نحو العلم، إلى مسابقة غيره، يؤول به الأمر إلى مضايقات نفسية، واضطرابات معنوية، وربما حتى خصومات، ثم يلجأ إلى الغش إرضاءً للوالدين، أوإسكاتًا، أوإيهامًا لهما.
في حوار مع أحد الأولياء أخبرني أنه تفاجأ لرسوب ابنتيه وقد تحصلتا على معدلات حسنة في الفصول الدراسية، لكنه لما استفسر الإدارة وجد الكشوف الأصلية غير الكشوف التي زَوَّرَتَاهَا، إثر ضغط نفسي منه.
إن الأمة تحتاج لنهضتها واستمرارها إلى علماء وناجحين عابدين الله بالعلم، فيحصل لهم العلم والعبادة وأجرهما.
نريد سلوك الوالد كالتاجر بالأصل والفائدة، ترغيبا في العلم، ودفعا نحو فهم نتائجه، وإبهارا بها، فيحصل الأصل وهو العلم، والفائدة وهي الإرضاء، ورفع الشأن، بدون استفزاز الولد إلى التمرد من خلال الإرغام. وقد انتبهت إلى من يدفع ولده بأساليب إلى حل الإشكالات الميدانية بلا تدخل، لينشأ معتمدًا على نفسه في ابتكار الحلول بقوة وشجاعة، لئلا يعاد إلى الوصاية.
أنصح:
كل عازب بزاد الأخلاق، لتكون انطلاقة تفوق أولاده منه من رصيده التربوي.
وأن يبلغ الدرجات العلمية العليا، لتكون مصدقا لما يروي لهم عن العلم وأهله، ففاقد الشيء لا يعطيه.
والاستجابة للرغبة الكامنة في تعلم أساليب التربية والتعامل المدرسي، من الكتاب أوالندوة أوالمحاضرة أوالمسجد أوالتدريبات التنموية حضوريا أوتلفزيا، وعدم الاستنكاف المصارع للعمق النفسي الراغب.
وإحلال القدوة العلمية والمعرفية في البيت.
ومطالبة السلطة بتحسين البرامج لمنح التلميذ خاصية الاعتماد على نفسه، وإنتاج نوعيات رفيعة من المكونين.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم