التلميذ بين العلم والعلامات

خلال تصحيح أوراق الإجابات، وبقراءة ما وراء السطور، وبالكتابة السيئة، وأوهام العبارت، أنتبه إلى نفسية سيئة للكثير حصلت بتشويش خلال الدروس.
تدخلتْ تلميذة يوما أثناء الدرس، ظننتها تابعتني جيدا، وسألت عن طبيعة سؤال الامتحان في ذلك العنصر، فتحفظت على أسلوب متابعة الدروس والتركيز، وعلمت أن العلم تزاحمه هواجس، وتشويش على الذهن.
إن التلميذ المعاصر يتلقى الدرس علاماتيا لا علميا، ومضايقة قلبه بما يغالب الدرس، دون التشبع العلمي، لأسباب أراها كالتالي:
1/كثرة المواد والامتحانات.
2/تقاعس الوصاية عن تطوير التقويم، رغم الخبرات العلمية والتربوية، أحرج التلميذ، وضغط عليه نفسيا، وأفقده العلم والعلامة معا.
3/تلك التدريبات الاستقطابية في آخر السنة على الاستعداد للامتحان، دون التركيز على العلم قبل العلامة، بمعالجات نفسية للوصول إلى الإجابات المحصلة للعلامات.
4/تعاطف الأساتذة، وإهانة قيمة العلم، عظَّم صورة العلامة.
5/ابتغاء التوافق بعد الافتراق قبل أوبعد التقاعد، والخدمات المتوقعة من المتخرجين المرموقين.
6/اهتمام مجالس الأقسام بقيمة العلامة لا قيمة التحصيل والقدرات العلمية.
ولو اتجهت السلطة إلى ذلك لارتقى في السلم التعليمي نخب فقط.
7/انعدام أوقلة توجيه التلاميذ، لضيق أوقات البرامج وإنهائها، وتعداد الأفواج التربوية، والالتزامات الإدارية التي تحرم أحيانا لقاء الأستاذ بتلميذه ولو في الرواق، لتحريك اهتمامه وتحفيزه نحو العلم عوض العلامة.
8/ رفع السلطة نسب النجاح لتبرير دعوى المجهودات، فصممت أسئلة امتحانات علاماتية لا علمية.
وعوض أن يفحص التلميذ نتائجه، بالبحث عن المطبات لتجنبها مستقبلا، والاستزادة من الكم العلمي، يتجه بعد تلقي العلامة السيئة إلى التضرع للحصول على نقاط إضافية، لربطه مصيرَه بالترقية لا بالعلم.
والمآل هو:
1/إفراغ ذهن التلميذ من الاعتبارات الكبرى إلى هينات يومية.
2/مخاصمة التلميذ نفسَه بهذه الذهنية لا بكالوريا ولا غيرها.
3/تلك التشنجات والمعارك بين التلميذ ومؤطري الامتحانات.
4/العصبية الشديدة، والقلق، والاكتراث للاهتمام الشديد بالعلامات قبل العلم.
5/سوء علاقة الأستاذ بتلميذه، وبوليه.
6/نسيان الدروس بعد الامتحانات مباشرة.
7/تخرج حاصلين على شهادات بعلامات لا بعلم، يخربون بيوتنا بأيديهم.
إننا نحتضن ثم نفقس على أجيال مهترئة فكريا وعلميا وقيميا، يمكن أن يتسبب في خراب الديار وهلاك العمران.
إن محاولات النهوض الاقتصادي لن تستقيم ما لم يسبقها نهوض علمي.
إن التلميذ له قدرات معتبرة، لو سخرها بتركيز جيد للدراسة فقط لاستطاع النجاح في الباك بمعدل مرتفع جدا.
ناقشت تلميذة أخرى عن سبب الاهتمام بالعلامة أثناء التلقي العلمي، فقالت: فمثلا العلم لو يقول إن 1+1=2 وفي الباك يقولون 1+1=3 فسنكتبها 3، لكسب النقاط.
بهذه الانهزامية سيضيع العلم والعلامة.
ثم سألتني، وما العمل لو لم نتحصل لا على العلم ولا على النقطة؟
فقلت، الحاصل على العلم يحصل على النقطة، ومبتغي النقطة تختلط عليه الأمور.
كنا في الجامعة نوجه اهتمامنا إلى التوسع العلمي دون المبالاة بمخلفات المدرجات، وقرأنا كتبا كثيرة في الحافلات، والغرف الجامعية، فحصلنا على العلامات آليا.
درس معنا طالب جامعي، يتابع الدروس نهارا، ويهتم بالعلم ليلا، خارج البرنامج الدراسي، ملأ غرفته كتبا وأوراقا، يتساقط بعضها على الأرض من بعثرة بحوثه، فيمازحنا(انظروا إلى علمي المتناثر على الأرض)، وفي الامتحانات ينال علامات عالية.
لقد وعينا في قديم الزمان ترسيخ العلماء العلمَ لمريديهم، وحاصل النهاية الإجازة.
على السلطة النظر الجاد في التعليم كقيمة ثابتة وتثبيت آلياتها، وإعادة النظر في أساليب التقويم لتكريس العلم قبل العلامة.
وعلى الأولياء النظر إلى خطر الاهتمام بالعلامة قبل العلم، وأن يتجنبوا مساهماتهم في ذلك، لأن البلاد تخدم بتطبيقات علمية لا بأفراح علاماتية. 
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم