مناسباتنا بين السياسة والفتوى


تختبر أحيانا مصداقية الفتوى والسياسة وتطبيقاتهما، بما يطفو أثره على السطح، عقائديا وأخلاقيا وتاريخيا وسياسيا واجتماعيا، فيبين مدى القدرة العلمية على علاج الطوارئ بالأحكام والمواقف، وتوجيه الجمهور في خضم التلاطمات، لامتثال الأمر والنهي، والنجاة من التفاف التوظيف العرفي.
استطاعت جحافل الصحوة الإسلامية تبليغ أحكام الإسلام بصرامة لا تنازل فيها، وتوهين شوكة الاستبداد، والحكم النمطي، وفرض حرية الكلمة، والإقناع بالصلابة العقدية، والثبات الإيماني، وحتمية موافقة القوانين للشريعة، وحاربت الشرك ومظاهره، والفساد المالي، وملأت المساجد، وسترت النساء عن القلوب المريضة، بقوة الفتوى المنضبطة.
ثم حدث الانفتاح الحزبي، الذي عطَّلَ الوتيرة، وخضَّعَ المشروع للفخ، فَهُجِرَتْ الدعوة الدسمة إلى الفنادق والمؤتمرات، ولم يوظف للتجديد والتطوير.
وحلَّت مسايرة الانحلال والتراجع وتبريرها، بحجة التيسير والمرونة والاحتواء، وما تحققت مرونة ولا تيسير ولا احتواء، وإنما ضاعت كثير من معالم أيام الصحوة الإسلامية.
لا نبتغي في هذا المقام التطرف والتشدد لأن التكليف الشرعي ميسر، ولأن رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما خُيِّرَ بيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا/رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها.
عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وجد أعرافا عقدية واجتماعية فأبطلها، ولم يقبل تنازلات مع البدع والشعوذة، بحجة العادة، والتدرج مع الناس، على حساب العلاقة مع الله.
لأن كثيرا من الأحكام العملية قررت بالتدرج، إلا العقيدة فلا تحتمل التمكين للسوابق الخرافية في طريق التمكين للإيمان التام.
لقد فُرِّطَ في جوانب من العقيدة التي لا تقبل أنصاف الإرشاد، بشيء لله، وشيء للعبد، وشيء للعادة، وشيء للسياسة.
وتمايلَ الإفتاء مع المخالفات الأسرية في حفلات الزواج، والآداب، والتربية، وما يسمى السنة الفلاحية، تبريرا باحتواء بعض الطوائف، التي على دراية، وهي سائرة في طريق مضاهاة الشريعة، لولا الوعي العام الذي أفشل شيئا كثيرا منها، لانحرافها عن التاريخ.
وسَكَتَ عن الاستهتار بالقيم الفردية والعامة، والأحكام الناقصة لكثير من البرامج الاقتصادية والمالية، وغَفَلَ عن توجيه السلطان إلى قضايا كلية أخرى.
تعلمنا أن يعرف المفتي واقع الناس، ويستحضر المسؤولية الروحية لو حدث احتواء للأحكام، فَادُّعِيَ تجنب فزاعة الفتنة، والفتانون ماضون قدما في طريقها، ونحن نحسب أننا نحسن صنعا.
تماما كالإسفنجة التي تدعي امتصاص الماء، والماء يقول أنا اخترقتها.
نعلم كيف تشتط ثائرة الأتباع ضد طعن قداسة شيخ متبع لا تنازل عنه لا بالتدريج ولا بالسريع، أما حين تتعرض مقدسات العقيدة والسنة للشركيات والبدع، يُغَطَّى العلم لِيَغُطَّ في الغفلة، بادعاء الاستقطاب وعدم التنفير.
لقد غفل متصدرو الفتوى عن إحياء البعض دجل ما قبل الفتح الإسلامي، للعودة إلى عصور الجاهلية، والذبح والإطعام لغير الله.
إن العلماءَ مدعوون إلى الخروج من التقوقع على القواعد والأصول المذهبية للتحرر من بعض جزئيات التقليد، لعلنا نجد ما يفتق الأذهان لصون الإسلام وشريعته من تمييع المجانين والسوقة والمشاغبين ومكرِهم، بتنظيماتهم المدعومة من قِوَى، لتتضح لنا سياقات الفتوى.
وإذا كان ولابد، فلتتعاون السياسة بالاحتواء وافتكاك أوراق الصراع، مع العلاج الإفتائي الحاسم بدون تنازل.
إذا كانت السياسة تحتوي وتنزع الحجج من البعض، فالفتوى لحماية الدين، وحراسة التاريخ من السرقة الممنهجة المدعومة من قوى فاعلة تدري ما تفعل.
فلتنهض الفتوى للحماية من الشرك والتسييس والأدلجة الجاهلية الحديثة الخطيرة.
ولتُقَدْ الوحدة العضوية تحت لواء العقيدة، والكف عن المسايرة، لئلا يسابقها الوعي الشعبي إلى المبادرة المتطرفة المتسببة في صدامات نفسية سيئة، فالصرامة الإفتائية قبل الأساليب الأخرى.
إني لأحذر مما تُعَجِّلُ رؤيته بصيرتي.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم