طوفان الأقصى وملحمة التاريخ

التاريخ لا يصاب بالشيخوخة، أوبالفالوج، أوبفقدان الذاكرة،، لا يُنَسَّى بالجبر، أوالإهمال، أوالتزوير، أوالاستغفال، أوسرقة أمجاده، ولا بالتدوين المُحرِّف، بالحصص السمجة تدعو نفسها بنفسها إلى الانتهاء، حقائقه عَصِيَّة على الاجتثاث، ما نقشه في الذاكرة الصّمّاء يظهر بعد نحت الصروف لغبار الغشائيات العمدية.
قراءة التاريخ بحرية، والاستماع للشهادات باستقلال، متعة، ولو بصادماته المحزنة، حتى استفراغ مخفيات السراديب.
نربط طوفان الأقصى بالتاريخ، لاستحضار تنبيه القرآن إليه، ليجمع وسائل وأساليب الاعتبار، فمن لم يتعظ بأحكامه، وزواجره، قد تفزعه نقرات الإشارات القرآنية إليه بقَصص شهداء بدر وحياتهم، وموتى القُليب وجحيمهم، والعدل ونعيمه، والظلم وجحيمه.
للتاريخ محاور أساسية محركة لما يلتبس به، فالطوفان ركيزة منها، وحاله التاريخي كالحجر الملقى في بركة ماء، لتتشكل الحركة الجيبية حول مركز الرمية، كما يفسره الفيزيائيون، أمارةً واضحةً على وزن الوقعة الحضارية في بلوغ آثارها إلى أبعاد جغرافية.
هذا واقعه ميدانا قبل مآله تاريخًا، سَيُدَرَّس في الجامعات الكبرى شئنا أم أبينا، لأن تأثيراته المدهشة الفعَّالة حول مركز أدائه فرضت قيمة كبرى عالميا، لا محليا فقط، أذهلت المتابعين، المتسائلين عن شفرات الصمود مدة الحرب، وكفاءة الاستمرار فيها ولو طال زمنها.
حَلَّ طوفان الأقصى ضيفا، وإضافةً مُشِعَّة في ماضي المشرق الإسلامي، وسجل نفسه من الثوابت المتجذرة، لتُلتهم قراءتُه بغمرة شيقة.
بزلزاله الحادث، مَخَّضَ العالم، ستبقى ارتداداته تُقَوِضُ نومات المتابعين المتعجبين، وسيقرأ تاريخه المحايدون، والمفجوعون، والمنصفون، ستنزع الأقنعة لتتعرى المواقف منه يوم صولاته بين الأنفاق والمفاوز تحت الهدير والرصاص.
لا ينكر عاقل تأثير مقاومات كثيرة ضد أصناف الاستعمار القديم، لكن خبر التاريخ تستفز دراساتِه الثوراتُ المؤثرة دوليا، ومنها ثورة الجزائر، وطوفان الأقصى، لأن انتصارها يهدد مصالح الكثير، وهزمها يهدهدها.
يوم تَحَرُّرِ فلسطين سيكتُبُ التاريخ أنْ لو خار الطوفان أوخاف أواستسلم أووضع السلاح حُرِمَتْ فتح الاستقلال.
كثرة التأريخ له بعد حقبة ستتمخض عنها البحوث الأكاديمية، لجمع متفرقاته، أوجوانب عديدة منه، كلُّ اختصاص على حدة.
سيجد باحثو كلِ اتجاهاته متاعب وتيسيرات حسب صعوبة أوسهولة اقتناء الشهادات الموثقة لأحداثه، إلا من بدأ من الآن قبل موت الشهود الأقربين، وإعادة الإعمار التي ستهدم وترفع الأطلال الشاهدة على حركة كونٍ مرَّت على غزة العزة.
ويومها لا ندري شيئا عن صلاحية وسائله وأساليبه، لكي تتخذ نماذج مستقبلية من عدمها، أم تدرس، ويُؤَلَّفُ لها للمقارنة بين ما يقابلها عند الاحتلال مما صنعه، وصُنِعَ له، ولمعرفة خبايا وأسرار الاستعداد الدائم، بعد التأكد من الفارق المادي الكبير، لتتكشف لتلك الدراسات والبحوث والتأليفات مقارباتٌ أخرى استقوى بها الطوفان، لسؤال التاريخ عن أقواها نفوذا في التمكين له وهزمِ الاحتلال، واستفساره عن الموانع الطوفانية لشروط تحقيق أهداف المغتصب.
للطوفان درر، وصدفات، سيستخرجها بَحَّارَةُ عمقه، لتحللها مخابرُ التاريخ وإمكان استخلاص عبقرية حرست أسراها وأمَّنتهم في خسف أرض بهواء وإطعام.
سيدرس المؤرخون أسباب انقضاض سردية الطوفان، على سردية الاحتلال.
سيبذلون الجهد لمعرفة طبيعة الخيط الرابط القوي بين السياسي والعسكري، دون اعتراض، ولا عصيان، ولا انشقاق، وللوصول إلى التوفيقات والتسديدات الربانية التي سيبقى عُبَابُها الزبديُّ يتمايل بالعالم، أيام التدوين عنه، وسيُبْهَتون من مؤيدات تسيير حرب ناجحة في سجن فضائي، منافذه مغلقة.
ولعل تاريخه يتسبب في إسلام أعداء، وتوبة مخذلين، واتعاظ غافلين.
ولعله يتخرج سِفْرًا يمسكه أحفاد مَلْحَمِيِيه اعتزازا بشرف غزتهم، والزهو بأجدادهم الجبابرة، لاستئناف حراسة ثغورها، أوالشهادة دونها.
فعلى المؤرخين استجماع الوثائق والشهادات المحلية والعالمية، لمسابقة الزمن والأقران، وحيازة المصداقية التأريخية، والسند العالي، والصحيفة الصادقة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم