تحديث الإسقاط النصي

لسان القرآن والحديث عربي، تَجَمَّعَ مستواه البلاغي بعد دوريات سوق عكاظ، فالْتمَّ شمله في قريش، فحضر فهمُ الوحيين بيسر معايِش، لكن إسقاطه الواقعي بقي حبيس ظروف ووسائل وأساليب وروحانيات زمن التنزيل والورود وأسبابهما المروية في التصنيفات والتفاسير المتعاقبة.
نقرأ عن معاصري التنزيل شرحا مقتضبا لمعانيه ومآلاته، يشترك في ذلك المسلمون والمشركون واليهود والنصارى العارفون باللغة الموافقة للسانهم في بيانه وبديعه.
فكانت تطبيقاتهم في مستوى مقاصده العقدية والتشريعية والروحية.
ورغم غياب علم التفسير لعدم الحاجة إليه للأسباب السابقة، إلا أن بعضا منها يحمل لطائف بسيطة مقتبسة، كقول أبي بكر رضي الله عنه "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة".
إلى أن تباين المستوى اللغوي والأدبي والفكري والعقلي وحتى الحواري بين السابقين واللاحقين، في فهم النصوص، وتطوير تفعيلها وتنفيذها.
أعحبني خطيب جمعة 19 أفريل 2023م الموافق ل 01 شوال 1444هـ بحسن عرض (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) /20 / الرعد، على مستصحبي نفحات رمضان إلى غيره، بصياغة جميلة، أعادتنا إلى جَوِهِ، وعَهْدِنَا مع ربنا بالارتقاء الروحي الرمضاني، تعويضا عن البون السحيق بين مستوى القرآن ومستوانا المتحضحض.
لا نغمط مجهودات علمائنا في ترجمة القرآن بمعانيه وتشريعاته، ولكن المتابع للتفاسير القديمة يلحظ غرق كثير منها في بحر زاخر من روايات أسباب النزول، والمعاني، كتفسير ابن كثير، واستنباط الأحكام الفقهية كالإمام القرطبي، اكتفاءً لا تقصيرا، رعايةً لظرف الزمان، أما (في ظلال القرآن) لسيد قطب رحمه الله، ففيه بيان جيد للطغيان والاستبداد والحكم بغير ما أنزل الله، ومواصفات الجاهلية.
وقد نجد تنزيلا مناسبا لأحوال عصرنا في تفسير "أبو جرة سلطاني".
يعحبني نزوع بعض علماء ومفكري الخليج العربي نحو التحديث المعاصر، لانفتاح المدنية والماديات عليهم، وتجدد كثير من جوانب حياتهم.
حسن إسقاط النصوص على الوقائع الجديدة، والقراءات المشرقة لها، تجديد وقعها على النفوس والعقول والوجدان، والأحوال الروحية من المحبة والخوف ورجاء الرحمة، التي تذبل أحيانا بسبب التباعد الزمني.
إن قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) /49/ المائدة. مطابق لما يَعْرِض للأعين من الصور والفيديوهات الماجنة الخليعة، وامتحان بالغيب، للتوافق المقصدي بين النص وتفسيره الواقعي، وحتما سيُجَدَّدُ النص في القلوب والعقول، ويضاعف من مصداقية كلام الله عند الناس عموما، وضعفاء النفوس خصوصا.
إن تحديث الإسقاط النصي يمنح لذهن السامع والمطالع قراءة متطورة واقعية ملزمة، ويُرِي الحياة بشكل تفاعلي جيد على ضوئه، وكأن الوحي حديث النزول والورود.
إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تجدد له قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) /144/ آل عمران، بإسقاط جديد، وكأنه سمعه حينه فقط.
إن بعض الإسقاطات المحَدَّثَة تشبه كثيرا عملية القياس الأصولي.
على أن تكون غير مخالفة للعلل والمقاصد الشرعية، ودون حداثة علمانية تلبية لدعوة التسلل منه لإلغاء العمل به تدريجيا.
وأن يتولاه مؤهلون علميون متمرسون محتكون بالنصوص خبيرون بها في التأليف والخطابة والتدريس والمحاضرة والندوة، فإنهم أهل لتلميع النصوص وتمكينها من الأفئدة والعقول بصياغات تفسيرية جديدة.
فالنص الشرعي مصدر النور والفهم، ومركز الكون، يشعّ منه الضوء الذهبي الدافئ، يتفرع إلى مشاهد متعددة في الواقع المعاصر، في دلالة على أن الهداية القرآنية ما تزال فعالة وقادرة على التمدد الزمني والتطبيق العملي.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم