يمهل الله للعبد لينتبه، ويُنْظِرَ بطء بَداره نحوه، ويملي للظالم ليتوب، ويرد المظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)الحج/44، حِجَاجًا عليه، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء/165.
لكن الآدمي لغفلته، أونسيانه، أوطغيانه، على الله والعباد، أولعلمه بقوة الله وتَحَدِيها، أومن مسلم يُمَنِي النفس بالجنة ولو بعد عذاب جهنم، لتوحيده، أوبشفاعة النبي ﷺ أوالمأذون لهم كالملائكة، والصالحين، فَيُصرَ على احتقار البشر، والاستكبار عليهم، وقهرهم، والتغلب عليهم كما يتغلب بعض الحكام بالانقلابات أوالحروب، ويجدون سندا من المتلبسين يتطوعون لهم بالولاء والطاعة، بمصطلح الحاكم المتغلب، ويُطَوّعُون لهم الناس، عوض الصبر والسكوت، على الأكثر، حتى إذا ظنَّ المتفرعن سرابية الانتقام، وسَفَهَ على حلم الله، وأمن المكر، ولم يُقَدِرْ حبَّ اللهِ توبتَه، وفرحه بوقوعها، وأغلقت المهلة، والأقدار عند الله إذا حلّت لا تقدم ولا تؤخر، نزل عليه العذاب لكبريائه، وللمستضعفين المقهورين، (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) الزخرف/25، (فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) الروم/47.
إن قوة الله حاضرة، وليست غائبة، ولا تظهر بَدَاءَةً، وإنما هي مقدرة لوقت الإعجاز حيث يكفر به الطاغية، (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) المؤمنون/76، يشفق منها العارفون، ويجحفها المكذبون (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) آل عمران/11.
فعَادٌ القائلون (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)15، أتاهم (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) 16/فصلت، وقوم لوط، وثمود، وقوم نوح، وأصحاب مدين، والأيكة، وقوم تبع، وغيرهم.
طوفان الأقصى كشف شيئا مما يستره الله لعباده المؤمنين المجاهدين لتحرير الأرض، وصدّ الاحتلال، غير المكترثين من قلة النصير، وكثرة الخائنين والمخذلين والمحايدين والغافلين، ومسندي العدو، من العرب والعجم، المسلمين والكافرين، فتلك آيات عظيمة على قوة الله، ولو اجتمع ضدها كل العالم، تلك آية ليستيقن المجاهدون تفردها وعلوها، ليصرف عنهم ضعف المرد القائل في ساعة سهوة أعاننا الناس، ولكن (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) الروم/4.
وليصرف عنهم اليأس من النصر ولو الجزئي، فإذا اختار الله رسلا لتبليغ دينه كله بعقيدته وشريعته، فمجاهدو غزة مُصْطَفَوْن ليخرج بهم آية قوته من غيبه، ولافتكاك الحرية، التي تؤخذ ولا تعطى، (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنْجِّي مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) يوسف/110.
إن اللطمات التي يتلقاها العدو فيخسر بها العدة والعتاد والجند بظنه ألا ثمن مقابل الإبادة، وبالتحضير المدجج للاجتياح، لآية دالّة كاشفة على قوة الله، لكنه لا يرعوي.
(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ)76، و(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) الأعراف/78، فيهما تسلية للمجاهد الصابر على الوقت، والعسر، ومشاهد الحزن، والدمار، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) آل عمران/173، وتهديد للعدو ومن مَالأَه ممن سلف ذكرهم، بأن قوة الله منبسطة لا محالة (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) ابراهيم/42.
جمع العدو أمره، وشركاءه، ولم يُنْظِر، ومكر في كل اقتراحات الحلول، لأن وهمه حسم النصر، لكن قوة الله تجلت في جبل جباليا المبارك منه سبحانه، فأراه الله قدرته وللمجاهدين والغزيين، ليستيقنوا اقتراب الفَرَجِ الحتمي كما تَحَتَّم نصر معركة جباليا.
أهلنا الغزيين، عيدنا بالأضاحي، وعيدكم بالنصر أوالشهادة.
Tags:
مجتمع
