لا أحب الخوض في الموضوعات المناسباتية، التي يثيرها أسبوع أواثنان، ثم تختفي بمرور الأيام، لئلا أرفع ذروة التطرف، حَيْدَةً عن الانحياز، رغم مشروعيته فهما وفقها وعقلا وتدينا، وأجَّلت تناوله إلى تدفق المصبات الفكرية في بحبوحة الوسطية، رفقة الأحباب والأصدقاء والقراء الأفاضل، بأذهان مرتاحة ومعنويات منبسطة، بعيدة عن حاجة الزمان، للتبادل بنفع علمي، وجو هادئ عام.
وإذا نظرنا إلى إثارة المناسبات الإسلامية الروحية والاجتماعية لعلاقة الناس بربهم، وتشريع دينهم:
1/ نحمد الله ونُسَرُّ، لتحريهم الحلال واتقائهم الحرام، يسألون عن الأحكام الشرعية الخاصة بكل سلوك، حتى يتبينوا مشروعية تصرفاتهم.
2/ ويُطَمْئِنُنَا تنامي الوعي الجمعي الإسلامي، يخشى العواقب الأخروية ومحق البركة الدنياوية.
إلا أن عاطفة الضمير الإسلامي تتجاوز حدودها أحيانا وتستعجل وتُدفع بلا بصيرة، فتتطاول:
1/ على العلم، وتدلي بغير مَعِينه.
2/ على العلماء، تَعَجْرُفًا عليهم، بنظر واستخدام خاطئ للحرية، فتهين القيم، وتلغيها بتوهمات عرجاء للنصوص رواية ودراية، وهي لم تبلُ قراءة كتاب فضلا عن مصنف، فتعتبر كل ما أباحه نص قرآني أوحديثي سنة واجبة الاتباع والتفعيل.
بسبب:
1/ الخلط بين مفاهيم الأحكام.
2/ التقاط الأحكام (وليس استنباطها) من حرفيات بعض النصوص لا بجمعها.
3/ نزوع بعض المتفيقهين إلى تجزئة النص، وهو يحمل دلالات وليس دلالة واحدة.
4/ تأويلات فقهاء متمحلة لنصوص واضحة.
5/ النأي بالمطويات، والفيديوهات القصيرة عن الكتب والمجلدات.
أقرب مثالها النص الخاص بصلاة جمعة يوم العيد، (عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مُجمعون). رواه أبو داود، والبيهقي، وابن ماجه، والحاكم، والبزار، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود.
عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ، فصَلَّى بالناس ثم قال: (من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلَّف) رواه ابن ماجه.
النصان شاملان، أوخاصان بالأباعد كما فهم عثمان رضي الله عنه، و(قول الصحابي حجة إن لم يعارضه صحابي آخر)، فإنهما واضحان بيْن:
1/ معتبر الترخيص سنة، اتهم به المُجَمِعَ بالبدعة، بتسويغ بعيد جدا، لا صلة له بالفهم والفقه والأصول والقواعد والعلل والمقاصد.
2/ ملغي الترخيص وموجبها على الناس، يَرُدُّ على التطرف بتطرف، لقلة وعي.
المسألة تطرح باستنباطات العلماء واستدلالاتهم وفهومهم ومآخذهم وطرقها، ويُترك المتلقي حرا بلا إلزام.
سئلت عن إمام مسجد يحاصر مأموميه بادعاء الإجماع على وجوب أداء صلاة جمعة يوم العيد، فطالبتُ بدليل الإجماع.
إنها وضعية الوصاية على الدين والناس، رغم أن الإسلام دين الله، وليس ملكية خاصة بهؤلاء ولا هؤلاء، هو انتساب للجميع، لا يوجد فيه معارضة كالفعل السياسي لتنصيب فلان والإطاحة بغيره، ويعتري كل حواراته نقاشات بين العقول المختلفة في استمداد الأحكام وكيفية التعامل مع مصادرها.
يُستشعر منها التشنجات النفسية والتشاحن البيني، وإذا التُمس موقفه من غير أهل السنة كالشيعة وجدناه مُمَيَّعًا.
كل طرف مدعو لنبذ وصاية نفسية على الدين والناس في إطاره، فلا الإمام أوالعالم أوالكاتب، ولا الملتزم التائب الجديد ومُقَوْلِبُوه في صياغة مظهرية، له مزية مُوَقَّعة من الله ليفرض رؤيته، أوادعاء رجاحة عقله، ورشده على غيره، فلا يوجد في الشريعة مقام الكهنوت كأهل الكتاب، فعندنا مسلمون لا رجال أونساء دين.
تغطرس بعض العوام بتركيك الفقه عَوَرٌ أخلاقي، وانحطاط الخواص إلى مستوياتهم بتعنيف لفظي خَرْمٌ علمي.
لأن الحضارة الإسلامية، لا تبنيها فقهيات المناسبات.
أدعو إلى الاستجابة لداعي الاعتدال والاحترام، قبل أن يُعْدَمَ فينا رجل رشيد.
Tags:
إسلاميات
