الخصومة بين العدل والفجور

عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصلةٌ منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصَم فجر)) متفق عليه. قال الله تعالى (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) سورة المائدة. ندب الله الإنسان لجلب العيش الكريم، وفطَرَه على السعي للحصول على وسائله، والتنافس على المكاسب المشروعة، وبالاصطدام يحدث النزاع، فينتهي بالتجاوز أوالخصام. اعتبر الإسلام الخصومة من طبيعة الإنسان الآدمي غير الملائكي، لأنها لا تتعارض مع الصبغة البشرية. وأقرَّ القرآن وقوعها بلا تشجيعٍ، كالآية والحديث أعلاه. ومن الوسطية معالجتها بعدل، لا بفجور، تجنبا لإثمِها وآثارِها المتعدية عموديا وأفقيا. وباستصحاب الأخلاق، تحليًا بها قبل الخصومة وأثناءها وبعدها، كي لا يكون الاتصاف بها قبلها مجرد تصنع. وبالتعفف عن البدءِ بها، صونا للود، ورجاء المآل الحسن، واتقاء المنقلب الوخيم. وبدون انحياز لصديق بخسا للميزان، أواستجابة لتغول شعبي، أوسلطاني، أونفسي، أوعائلي، أوقومي، أوعشائري، أوحزبي، أوغيرها. وبإنصاف الخصم والنظر إلى سوابقه الجميلة، من علم، أوأدب، أوعشرة، أويدِ كرمٍ، أوجوار، أوسنٍّ، أوجهادٍ، أوغيرها. كان علماؤنا وفقهاؤنا ومحدثونا وأصوليُّونا إذا انزلق أحدهم قالوا إنه عالم حجة، وفي هذه ليس حجة، دون تجاوز إلى تجريحٍ قبيحٍ. أخبر حاطب بن أبي بلتعة أهله في مكة بقرب فتح النبي صلى الله عليه وسلم لها، فعوتب، فشهد النبي صلى الله عليه وسلم لسابقة جهاده، فقال إنَّه شَهِدَ بَدْرًا وما يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. رواه البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. اختصم أبوبكر رضي الله عنه معترفا بحق عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سابقة صاحب الغار، وقال إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين. رواه البخاري عن أبي الدرداء. المعنويات الطبيعية، والهدوء النفسي، والتعالي الأخلاقي، والتنزه الأدبي، وخشية الإثم من المتخاصمين يُسَيِّرُ النزاعات كي تصل من فك خيوط الصراع، إلى التوافق. كثير منها تجاوزها أصحابها، وعَافُوْا منكَرَهَا، فآلت إلى جمع بعد إصلاح، ورسَّمَتْ صداقات دائمة، لأنها لم تنقش غيظًا في القلوب. العفة فيها تحفظ هامش المراجعات، لأن الظلم البادئ، والفحش المقابل تعطيل للاعتذار، وحرج شيطانيٌّ للنفس عند تجلي الخطأ. ودون ذلك فجور يجهر به خبث النفس إلى العلن، لأنه انفجار المخفي المستور. إن الهدوء خليفة الآداب، أما الخبائث فلها انفجار في اللجج، بالسب والشتم واللغو، والتهكم وتجاهل السوابق الجميلة، مع وحشية الهوى، وشراسة التهور، وكبرياء الأنا، والغفلة عن الأخلاق في غمرة السجال، والغضب المغلق. من الطبيعة المشروعة الدفاع عن العقيدة والنفس والعقل والعرض والمال والوطن والفكرة، والتاريخ، والانتصار للقيم والذات، لكن السبيل الأقوم هو العدل، والترفع عن التطفيف، والتجاوز عن التسفيه واللمز المعتدي، والبقاء في الدائرة الضيقة للخلاف، كي لا يُوَظَّفَ توسيعها في العواقب غير المحمودة. إن الخصومة العالية، بأدب راقٍ هي تبادل التوضيحات المتعاكسة، وترك الغلبة تُنَالُ بإحراج المخاصم في حيائه. إن المخاصم المنتصر هو من يملك قوة الإقناع، ويلجىء عقل مخاصمه، فلا يزل قلمه ولا لسانه.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم