إن للعلم ركنيةً مقدسة، وترتيبا
مقدما لدى العارفين بالقيم، طلبته يسلكون لأجله كل سبيل، ويذل لهم كل مستعصٍ، في
غربة أوإقامة، في فقر أوغنى، وأهله يستقبلون لأجل نشره كل متعلم.
هذه الازدواجية الإيجابية هي التي أنشأت حراكا علميا، مثمرا، وتحضرا راقيًا.
ورغم الحاجة إلى القلم والقرطاس، إلا أن علماءنا رحمهم الله ركزوا على ما يغرسون
داخل الأدمغة البشرية، لصياغة ذهنيات تزن الحياة بالعلم، ولو على حساب التدوين
الذي تولاه صفوة لضمان تسلسل العلوم بين الأجيال، كان الكتاب الواحد متبادلا بين
المتعلمين بثقة في الحفظ والتعاور والرد.
إن التباهض في أسعار الأدوات المدرسية، والتنافس لها لا عليها، سيخرب الجيوب
الفقيرة وحتى المتوسطة إن وجدت، وسيحرم الكثير من تدوين الدروس، بله الطرد من
الحصص.
أرى مآل ذلك تجهيلا خطيرا بالضغط المعنوي لعصابات المتجارة والمضاربة بضرورات
الإنسان، ومنها الأدوات الدراسية، وباحتكار الطبع والمطابع، والتسويق بالثمن
الفاحش، عوض المسارعة إلى فتح المجال للتنافس تخفيفًا للأسعار، وإطفاءً لنارها
الملتهبة.
نرى ذلك أمام مفارقات تدعيم المؤسسات المالية والإنتاجية الكبرى بأموالها لكل شيء،
الرياضة، الغناء، المحافل التافهة، مقابل ترك التعليم يلقى مصيره المحرج بنفسه.
إن الإنسان لا يموت إن لم يأكل كثيرا، لكن الأمة تنقرض إن لم تتعلم قليلا، وإن الجاهل
ليفعل بنفسه ما لايفعل به عدوه، ورصاصة السلاح تقتل أفرادا، لكن غفلة جهل تبيد البشرية.
أسلحة الدمار تهدم البنى، والشعوب العالمة تطرد عدوها، لكن التجهيل يقضي على
الحضارات، والجاهل يسلم أرضه وعرضه للعدو مجانا بدون مقاومة، لأنه يحسبها حجرة وهي
ياقوتة.
إن محبي العلم وهم قلة متعلقة أفئدتهم به، حياتهم له، يسري في عروق دمائهم، سيتحدون
الظروف القاسية، وسيتحايلون استعدادًا لكل الحلول، لكن الكثرة المستكينة للمشاقِّ
ستبرر بهذا الوضع هجران العلم خارج المؤسسات أوداخلها.
لقد أصبح الدخول المدرسي هاجسا مخيفا، بعدما كان مناسبة فرحٍ
وأملَ ترقيةٍ علميةٍ، ولعمري إنه الصرف عن العلم والتعلم من قبل مافيا الأدوات كمستأثري التصدير والاستيراد، من الحديد، والخشب، والحليب، والزيت وغيرها.
إنها عملية تأييس مبرمجة ضد العلم، ليسهل قياد ذهنيات الأجيال وإعدادها لأفكار فاسدة.
إن على السلطة تدعيم التعليم وأدواته كما تدعم الأكل، وتكرم أبطال الرياضة، لأن الموارد غنية، ومن مصادرها مداخيل البترول والغاز والطاقة.
عليها فرض الرقابة الصارمة على كل حالات التلاعب بأسعار المواد التعليمية، أكثر مما يكون على المواد الاستهلاكية الغذائية، مع تقرير العقوبات اللازمة المناسبة، مهما كان مركز مرتكب الجرم، وقوفا مع العلم وأهله، فإن تقاعست ندمت حين تفقد نجدة البلاد من شعب ساهمت في تجهيله بالغفلة عن حماية تعليمه، وإن شمرت بانتباه حاد، فستسر حين يلبي نداء الواجبات لأنه تعلم قيمة الوطن ونجدته حين تناديه الضرورة.
عليها الإسراع في توسيع نشر اللوح الإلكتروني الحامل لكل المواد تبرعا منها بمداخيل الطاقة المرتفعة هذه الأيام.
عليها تصميم برنامج عمل على المدى القريب والمتوسط والبعيد ييسر امتلاك الأدوات المدرسية لتعميم الفرص السهلة للتعلم وضرب مخططات التجهيل المباشرة وغير المباشرة.
آن موعد تمييزالسلطة بين مختلف اهتماماتها وترتيبها قيميا، قبل وقوع الفؤوس على الرؤوس.
ويمكن للتلميذ الاكتفاء بسِجِلٍّ واحدٍ يجمع فيه كل المواد بانتظام وانضباط، وموافقة الأستاذ رأفة بجيب والده.
واكتفاء كل تلميذين بكتاب واحد مشترك، بصرامة في الصيانة، ووقاية من التمزيق والإهانة.
بذلك وغيره يمكن ضرب الغلاء في الصميم، والمساهمة في تكديس السلع الغالية وإهانتها بالترك.
Tags:
تعليم
