فرنسا والغفلة الشعبية

انتهت زيارة ماكرون بمعلومها ومجهولها، ومكشوفها ومستورها، إلى بلاد اغتصبها أجداده، وأزهقوا فيها دماء أجدادنا، وحطموا حضارة مسلمة لم يكتمل بناؤها، بدءً بالتخطيط لهدم أركان دينها على رؤوس معتنقيه، لكن لم يسعفهم قرن وثلاثون سنة رغم الجهد المضني بالسلاح والمال والإغراء والولاء الخائن، لقد استفزوا الجزائريين في دينهم، فتزودوا بتعلمه والتمسك به، إلا قليلا منهم ورِثَه قليلٌ آخر، انطلت عليه فرية فرنسا الحرية والمساواة والعدل، بغفلة سرت إلى الأذهان، تشكل منهم جمع
أربك قراءة الواعين للتاريخ، وتكاثرت التركة بما يعيق الحركة الصحيحة للتدوين، رغم عدم قدرتها على إعادتنا إلى الوراء إلا طنينًا.
تحسب أنها على شيء، لكن الداء يكمن في غفلة عابرة، أوموروثة انتقامًا من أوضاع مزرية.
إن فرنسا ستتسلى على وتر المغفلين، طمعًا في إتيان الأُكل.
إن الغفلة أبعدت جيلا عن الدين والتدين، لتربية بعيدة عنه تعمَّدها تيار علماني ورِثَ ووَرَّثَ لأمد يعلم الله وحده مآله النهائي، والمجال إن لم يملأ بالحسن ملىء بالقبح.
تحيرني قدرة شباب على مقارعة التصميم الفرنسي الخبيث، وهم غافلون بين الجدران، ومدرجات العمارات، والروابي، والرمال، ألهتهم مظاهر السُّفْهِ، غرقوا في وحلها، لا يلوون على دين ولا لغة ولا تاريخ ولا أخلاق ولا قيم.
أُلبسوا سراويل ممزقة، وأقمصة عليها أسماء لمؤسسات وأفكار معادية سامَّة، كشركات الإشهار المحلية والعالمية لكن بدون تعويض.
وملئت محفوظاتهم غناء ورقصا، وأبدانهم اختلاطا، ولهوا في حانات الخنى والسكر والعهر، وتدخينا، وتخديرا، وتقليدَ الرقاب كما تُقَلَّدُ الكلاب.
وشُغلت يومياتهم بالتحصيل المادي حلالا وحراما.
وغُذُّوا بفكر دخيل على المبادئ الأصلية،وعلمانية منبهرة بالغرب.
مسخت الغفلة جرائم المحتل من الذاكرة التاريخية الفردية والجماعية، ممن عايشوا الوقائع، فتهاونوا عن نقلها إلى خلفائهم، ولم يُشرِبوا في قلوبهم كره المحتل المجرم كما يكرهون حَرَّ جهنم.
إن فرنسا ستحاول تفعيل المخطط المعلن في بلاد الأحرار، بمعاول الغافلين والغوغاء، تتخذ منهم حبل اختراق.
ستغري بمنح التأشيرة، لاحتضان اللاهين، ثم تعيدهم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم صبغوه بالتغريب والتبعية، دليله رمزية إمساك رئيسها قرصَ أغاني ماجنة، ولو كان اعتباطا ما حمله لأنه يجهل العربية والدارجة المفرنسة المكسرة.
كان على السلطة المكلفة بمصير الوطن، أن تمنع شعبية تلك التحركات المريبة.
فعلى الجمعيات العلمية والثقافية والخيرية عقد العزم في هذا الإطار لاستنقاذ الغافلين.
وعلى أئمة المساجد إفشال المشروع، وعلى رأسهم مسجد المحمدية للرد على الزيارة المشبوهة.
وعلى الشباب الذاهل استنهاض همته، بالتعرف على الدين، والتاريخ، والآثار الفرنسية المدمِّرة للديار والقرى والمداشر والمدن، ليستيقظ من غفوته، وليطلع على مخطط الإغراء والإغواء من الغرب خشية قتل جذوة الإيمان فيه، وطمس معالمه والاستيلاء على خيرات بلاده.
وعلى أشباه المفكرين من بني جلدتنا شجاعة الاطلاع على الفكر الإسلامي الوطني، والكف عن النتف الثقافية المحرِّفة، فإن في التحصن به خيرًا لهم تغابوا عنه لصالح الغزو الغربي.
وعلى السلطة بالدرجة الأولى الإتيان على فضلات ماكرون ومؤسساته المختلفة، لتنظيف ما لطخه في ذهنيات بعض أبناء وهران، وبيان المفاسد المستهدفة، فإنها قادرة على ذلك أكثر من أي شخص حقيقي أواعتباري، بكل الوسائل المتاحة.
وتنظيم مشروع تربوي تعليمي بالوجه الإسلامي الوطني لإنجاء البلهاء، وتدريس التاريخ الاستعماري الجهنمي الأسود بعمق، وتصوير الرؤوس المقطعة، والتعذيب الوحشي، حتى صور المذاكير في الأفواه بعد القتل، ليستوحش الجيل حقيقة الجرم.
وعمل سينمائي مسرحي وطني عميق يخلِّصُ من رسمٍ مفضوح، وفاءً لعهد الشهداء، وعرفانًا لدمائهم الطاهرة، لئلا يسهو جزائريٌّ عن كره فرنسا حيًّا وميتًا.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم