فرنسا والوعي الشعبي

أنهى الرئيس الفرنسي زيارته التي لم ترغبها الأغلبية الشعبية الوطنية الجزائرية المخلصة، ولم تكن بالحجم الذي خشينا تأثيره السيء، ولم تكن لها نتائج معتبرة، إلا الإعلان المفضوح عن التخطيط لاسترجاع الوصاية الآيلة للزوال، وحسب خطاب رئيسها تم التركيز على مسائل ثقافية لتغيير وتغريب الحس الوطني المتنامي عند الجزائريين، للعودة من الباب الضيق الذي شعرت بقرب الخروج منه، بعدما طردها الوعي الشعبي منه.
لقد وعت غالبية الشعب الجزائري التاريخ الذي سوَّدَته فترة الاحتلال الفرنسي الغاشم، وامتدت بصيرته إلى ما قبله، من أسباب، ودوافع، والأصول العليا للشعب، ويكفينا فخرا أن يمدنا هذا الوعي بذاكرة تاريخية ولو لم تعتقها فرنسا الحاقدة من أرشيفها، وإذا عرف السبب بطل العجب.
استطاع الشعب الجزائري معرفة كثير من تفاصيل معاملات الاحتلال القاسية الحاقدة، التي تظهر أعراض المرض النفسي والداء المعنوي، والحقد العقدي الصليبي، وانتبه العاقلون والغافلون إلى ضراوة الأحداث وقساوة التعذيب لتحقيق أبشع شيء وهو الجثوم على أرض الطاهرين.
ونتيجة لهذه الحيثيات أدرك الجزائريون وبالخصوص الشباب ما حدث لأجداده، فتمكن كره فرنسا، والإدبار عنها من القلوب، يحيَون ويموتون به.
ومن جزئيات هذه النتائج المبشرة الانتباه إلى أن تلك الاستقبالات الشعبية لرؤساء فرنسا في شوارع الجزائر، كانت معبرة عن هوس فئة قليلة بين ظهراني هذا الشعب الطاهر، ولا علاقة لها بالأغلبية أكثر من تعبير عن انتقام داخلي، وهذا ما أثر على السلطة الحالية التي أراها استجابت للصوت الشعبي الرافض لاستقبال مماثل، فلم يحدث ما سبق، ورفض الشعب الجزائري الخروج إليه في الشوارع، وتم من خلال الضغط في مواقع التواصل منع تأشيرة الدخول لحاييم كارسيا مستشار ماكرون.
كما أدركت الأغلبية الرغبة الفرنسية القديمة في دوام وصايتها على البلاد ولن يطردها بالتدريج إلا الوعي الشعبي الرافض لكل ما هو فرنسي، وأصبح الشعب الجزائري يعاف كل ما يفوح برائحة فرنسا المجرمة.
ولا أدل على ذلك من الاستهجان الذي لقيه الوفد الفرنسي من قبل أشاوس وهران، وخيبته فيها.
وآخر نتيجة زيارة محل ديسكومغراب التي خلت إلا من استقبال بعض الصغار، بعد جهد كبير في توعية الشعب بضرورة مقاطعتها، وترك الرئيس الفرنسي وحاشيته منعزلين، وهذا ما حدث.
لكن فرنسا غبية جدا، بتسريب سر ما تريده، والذي نخشى آثاره هو التخطيط لاحتواء طبقة لا يستهان بها من الشباب على المدى الطويل بالوسائل الثقافية انطلاقا من وهران الأبية.
إن الشعب الجزائري مطالب باستئناف الوعي، وفتح عقله على التاريخ، عن أهداف فرنسا في الجزائر وإفريقيا، ونزعتها الثقافية في التوسل بها للسيطرة على الأوطان، وخاصة الشعب الجزائري الذي يزخر وطنه بخيرات عظيمة تريد فرنسا الاستفراد بها.
ومطالب بمزيد حذر من مناوراتها المصطلحية الرامية بها إلى وضعه تحت سجن إبطها الآسن، كالتلاعب بكلمات الصداقة مع الشعب الجزائري، والتركيز على الفن والسينما، لأنها درست وتحققت مكمن الوعي.
وعلى النخبة استكمال العمل التوعوي، كي لا يقع الشباب فريسة طرية بين مخالب الغزو الثقافي المخطط له بوضوح.
وعلى الشباب أن يكون في مستوى التحديات، بإبائه تجاه دينه ولغته ووطنه، وأن يعود إلى إحياء صحوة إسلامية وطنية تكون جدار الصد الأول.
وعلى السلطة أن تكون في مستوى التطلعات الوطنية الإسلامية الخالصة الصافية للجزائريين، لحماية شعبها وتحصينه من الاحتواء الثقافي المستهدف، وتحويل وسائل الإعلام إلى مخابر صناعة الوعي في واجهة حرب الاستعمار الجديد وخاصة في جانبه الثقافي لتعطيل كل مشروع يسترجع به الاستعمار مجده على هذه الأرض الطاهرة.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم