ليس كل الناس أحرارا في سلوكاتهم وأقوالهم، فهم بين مقهور، ومتنازل، في ابتزازات
متضادة، شاملة للاذلال والخنوع.
إن الابتزاز وليد الاستبداد، يعطل الحرية، والملكة، والعبقرية، والمبادرة،
والذكاء، يضايقها بالإلجاء، يكبل العقل، يغلق التفكير، يستفرغ الطاقة في اتجاه
واحد.
وإرهاب مادي ومعنوي، يؤلم القابع تحت سلطانه، يسبح بحمده قبل وصول الأذى إليه، يطرق
الرأسَ بالمفروض، تظهر الاستجابة له بالقرائن المختلفة.
يوقع الفرد تحت غائلة الإرضاء الملزم والاختياري، والعمل اتجاه قبلة واحدة قد يفوت
به ما هو أجمل في اتجاه آخر.
يرغم السياسي في حزب أوسلطة على القرار غير السيادي، ويأسره في الدائرة المغلقة
المرسومة، والمؤسسات الرسمية غافلة.
يذبح القيم للحصول على المراد، والمعرَّض له خاضع مكره وقاية من المحذور.
يشوش على التقييم العادل المحايد، والتحديق الصحيح للأفق، ويستعجل الإجابة بغير
روية ولا دراية.
يعطل سبل الإصلاح في جميع المجالات.
في سعار الاستحقاقات الانتخابية، يتعرض البعض إلى ابتزاز الصفة، إذا ناصروا جهة
اتهموا بتبلد الاختيار، وإذا ساندوا غيرها اتهموا بنقص التسيس.
أشاعت أمريكا في اعتداءاتها عبارة مراوغة (إما أن تكون معي أوضدي)، في ابتزاز
مفضوحٍ يسد المجالَ الوسط.
إنه يجبر العلماء والمثقفين على الإشادة بسياسات الأنظمة ولو بالخطأ، كالتطبيع مع
الكيان، وتأجيج الفتن والعصبيات الجاهلية بين مختلف الشعوب، أنشأ تضاربًا عنصريًا،
وتدابرَ إخوة الدين والتاريخ، وتصديقًا كاذبًا بالحدود الجغرافية الموروثة عن
الاستعمار القديم.
إن الأنظمة الوظيفية المُبْتَزَّةَ فرديا واعتباريا بالوثيقة والصورة والصوت والفيديو،
ماضية في نخر بلادها لحساب مستعمرها، بإحكام ابتزازي جبري قوي.
مبتز غيره استبدادًا وقهرًا يحرم نفسه رشد العقول، ويوم تضطره الحاجة يجد نفسه كمن
قيل لها (الصيفَ ضَيَّعْتِ اللبن).
ومعه تملق طوعي وقائي، حاله (دارِهِمْ ما دمت في دَارِهِمْ) يدفع إلى مشاحة مقابلة
اتقاءَ نفيِ الولاء والوفاء القَبَلي، يستلذه المعلول به في القربى إلى الموالي، معتبَرُه
الأول قبل القول والعمل.
والنتيجة تراشق منبعُهُ القربات المتعاكسة الجاهزة في الذهنيات والعقول والمعنويات
المتأرجحة، تبتعد عن محل النزاع، وتنزلقُ بالآداب، وتخرج عن السيطرة الأخلاقية،
كلٌّ يتلهفُ ظفرًا برضا مولاه.
لكن إبراز الإخلاص لا يكسر خواطر الأعراض، بل يحكي الحجة الدامغة، والإفحام
العلمي، وبذل الوسع الكامل في تحقيق النتائج المستهدفة في كل إطار.
وبينهما تحرٍ للحق، رغم اعتراءِ الخطأ والصواب للنفس البشرية.
استقصاءٌ لا ينحني لابتزاز، ولا يكتسي تزلفًا، هو انعتاق من قيود الزعامات،
والأشخاص، والاعتبارات، والأغلال المعنوية، يعالج الظواهر والأحداث بين اقتراب
وابتعاد للتمكن من المراقبة الكلية، والتحليل الشامل، فيُعَدِّلُ دون مدح كاذب، ويُجَرِّحُ
دون غمط ظالم.
إن من ضيع التروي، والأناة، وسَفَّهَ
عِلْمَهُ، قد يعطب توريثه، ومن طاش بالسب والازدراء، لا يصلح لردع المذنب، لأن بداخلهما
نفسين وطئهما ابتزاز خفي، تُسابقان للظهور، وتنافسان على الإرضاء، لتقديم الدين
والأنفس والأعراض قربانا، لصاحب العرين.
على الأنظمة أن تتحرى الإصلاح قدر المستطاع، لتستقل عن الابتزاز الدولي ووصاياته، ثم
تعتق الشعوب من الوطآت السلطانية، وتكف عن إجبار علمائها ومثقفيها على تزكية خياراتها،
وتحرِّرَ الوعيَ والنصح، والإشارة المخلصة، دون وجل أوتكلف، وتفكر في الحال، وتتدبر
المآل، لدرء عواقب يُجْهَلُ وقتها، وآثارها، ودمارها، ولجلبِ الولاء الحقيقي، والبطانات
الحسنة، والمعالجات الهادئة، والسداد في الحكم، وتحقيق النهضة، والبناء الحضاري
غير المغشوش.
فإن الاستعمار لن يدوم لها، ولن يدفع سوء عاقبتها، بل يضحك على تمكينه منها،، وإن
غدًا لناظره لقريب.
Tags:
فكر
