مواقف العلماء ومسؤولياتهم الاعتبارية

العلم قيمة مقدسة، ولكلمة حامله اعتبار في كل مجال، وسلوكاته اليومية في كل موقع تقدر بعواقبها، ومواقفه الاجتهادية المبنية عليه بآثارها.
إن كان شخصية مستقلة، أوفي هيئة، يراعيهما، لصيانة العرض والهيبة.
أما إذا أخطأ عَرَّضَ كل مقدريه إلى إحراجات جالبة للضرر دافعة للنفع. مبادراته معروضة على الأحكام المشروعة للغير، لأن أحكام الناس لها اعتبار في الشرع، فهو ينتمي إلى ضمير جمعي لا إلى صيت فردي.
دون غمطه الحق، وإقراره الباطل، إنما المقصود التريث، لتحصل مظنة الرجحان، وتدبر المآلات والأولويات في ظلال المقاصد والقواعد الشرعية.
إصداراته الخاصة بدعوى الحق، تَرَجُّلُ منزلقات سيئة، أوحق يستعمل لباطل يساق إليه بالنفس، أوبالتآمر الخفي، لتضرب به جهة أخرى.
لا يسهوَنَّ العالِم عن تقدير الأضرار على نفوس المؤيدين والمثقفين، وعلى مصداقية التقليد والاتباع.
إن الإفتاء المتسرع بقتل الرئيس القذافي دون دراية بخلفيات ما وراء البحار، أربك الأتباع والمتعلقين، والمتعلمين، والقارئين، والداعين إلى وسطية المفتي، وساهم في تحقير قدره بعض الوقت.
والكلام العشوائي المؤيد لتوسع مغربي استعماري، جلب لصاحبه وابلا من السباب والازدراء، وتسبب في ركل سابقته العلمية التراثية، وكانت وطأته على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مفجعة جدا، ووضعته تحت امتحان كبير اضطره إلى إصدار بيان غير مقنع.
لقد أفل زمن التهور الأحادي، فالقرار الجماعي يحتل مساحات شاسعة في تسيير المسؤوليات والإدارات، وفن القيادة أصبح مقدما على فن الإدارة.
الشورى قاعدة متينة، على العلماء توظيفها، والضغط بها على الحكومات والسلاطين، فلا يعقل للعالم المؤمن بها، الداعي إليها في المحافل المختلفة أن يستأثر بموقف دونها.
إن المسلم يتألم لكتاباتٍ وأقوالٍ تنتقص العلماء بلا ورع، ولا نقدٍ مؤدب، كمن لمز الشيخ القرضاوي بحديث الوسادة لزوجته في استخلاف الريسوني على رأس الاتحاد، دون استشفاع قدمه الراسخ، وباعه الاجتهادي.
ويتأسف لعالمٍ يلتمس لعثرتَه تصنعًا أقرب من الحقيقة، فتهزل الثقة فيه، وتدمَّر أساسات الأمة.
لذلك يمكن للمؤسسات العلمية إضافة بنود إلى أنظمتها الداخلية، كالمنع من التصريح والفتوى إلا بإذنها، واشتراط حيثيات الحصص الإعلامية قبل إجرائها، تجنبا لما يخفيه صحافيون منشطون يفاجئون به المستضاف تحت أضواء الكاميرات، والشعوب تسمع وتتفرج، مع تضييق الإجابات منجاة من الأثر الشعبي والرسمي المتعدي.
على علمائنا النظر إلى المسلمين بعين التمثيل، والحفاظ على معنوياتهم، لأنهم لا يملكون الدفاع عنهم، ولا التبرير لهم، مع أخطاء مجانية واضحة حادوا عن تجنبها.
والتنازل عن تولي القيادات لمن لم يضمن الاستقلال الشخصي عن السلطة، كي لا تؤول مراعاتها إلى وقع سيء.
وعدم سلِّ الرأي الفردي عن الجماعي، لأنهم لا يملكون أنفسهم، بل لآرائهم ثقل شامل، فلا داعي للهيئات التوسل بهذه الذريعة كلما هاج ضدها النقد.
وإعلام الحكومات بالتزامهم المؤسسات العلمية المحتضنة لهم.
والحفاظ على التراث العلمي من تحطيمه بالمواقف الخاطئة أن تنسفه الدهماء الثائرة والأنظمة الوظيفية بغير تأنٍّ.
والاهتمام بالقضايا الكبرى للأمة تفكيرا وتحريضا، كالدعوة إلى تحكيم الشريعة، والنفير العام لتحرير المستعمرات وعلى رأسها فلسطين، وإزالة الحدود الجغرافية لإلغاء سايكس بيكو، والتحرر من الوصايات الاستعمارية، وصهر الأمة المسلمة تحت راية واحدة، واستنكار علني رسمي دائم للتطبيع، ومحاربة التشيع، وتأسيس تكتل موحد لعلماء الإسلام، عوض الاشتغال بجزئيات يصرفنا بها الغرب عن استعادة مجد كبير أسسه أجدادنا المسلمون.
بذلك نستطيع الفخر بعلمائنا ومفكرينا، والتمتع بالراحة المعنوية لعدم سقوطهم في مطبات يلطخهم لعاب الرويبضة في كل المستويات، ويفتح نار الحاقدين والجاهلين عليهم، استغلالا لفرص خبيثة، اعتبارا واتعاظا مما يحدث للبعض أحيانا.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم