سقطات العلماء ومصير علومهم

حمل العلمَ صفوة من الناس كابدوا لتحصيله المشاق، وذللوا الصعاب، وضربوا في الأرض، وامتطوا الدواب والسيارات والحافلات والبواخر والطائرات، عانوا جهد المبيت، وحرمان الشبع، ولذائذ النوم، وقد يقصرون عما يريدون أحيانا، أقاموا عند العلماء والصالحين والفنادق والأحياء في بلدان متفرقة، قد يعودون إلى الأهل بشيب الشعر وهزال البدن وتقعر الأرجل.
ومع ذلك قد يصدر منهم سقطات سلوكية، لأنهم بشر يعتريهم الصواب والخطأ في تحملهم وأدائهم، وتجتالهم الزلات في الحياة بلممٍ وَعَدَ الله بالعفو عنه، من عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى الآن.
فزيد بن ثابت رضي الله عنه شارك في بيع عينة، فأبطلت عائشة رضي الله عنها جهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم من باب التغليظ، لكن ذلك لم ينقص من قدره، وشهد له الصحابة والتابعون والفقهاء بالنبوغ في الفرائض.
لكن قلَّ من يضبط هذه المفاهيم في ذهنه ليبقى في دائرة الرشد العقلي والعلمي.
وفي عصرنا نماذج أكثر من القرن الإسلامي الذهبي، صدرت منهم عثرات سهوا، أواجتهادا.
ومن باب العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب نتناول ورطة الدكتور أحمد الريسوني المغربي في الحصة المتلفزة التي نال بها العتاب الغفير من جل المسلمين.
إن الرجل في رأيي أخطا قبل الحصة وأثناءها، كان قادرا على إنجاء نفسه من مطبة تشريع التقاتل بين المسلمين، باشتراط عدم التطرق إلى مسائل دولية، أوالاعتماد على دعوة الملك إلى مهادنة الجزائريين، وإعادة العلاقات.
إنه يستحق لوم الضمير الإسلامي، لكن بالأدب اللازم، والهدوء المعنوي، لأن لكل جواد كبوة، ولا نعاقب أنفسنا برمي علمه السابق خاصة في الأصول والمقاصد، الذي بثه ببراءته، وقبل تَرَدِّيهِ، لأن لسابقته العلمية الشفاعة له، والله تعالى يقول (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) 85 سورة النساء.
كثير من أهل العلم والمثقفين يعرف له، (محاضرات في مقاصد الشريعة، فقه الثورة في الفقه السياسي الإسلامي، الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية، الفكر المقاصدي، التجديد الأصولي، الأمة هي الأصل، نظرية المقاصد عند الشاطبي، مدخل إلى مقاصد الشريعة)، وغيرها.
من السذاجة تقعيد سنة إزهاق نتاج العلماء لهفواتهم.
فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فإن الإمام لأن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة) رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم، وإن ضعفه البعض فإن المقصود أفضلية استمرار الأخذ عن العالم الزال.
العوام إذا انقلبوا على عالم لأي سبب، فأهل العلم والمثقفون يضعون الجريرة في ميزان، والعلم في ميزان.
فلنحذر الوقوع في مثل كيد عبدالله بن أبي بن سلول يوم المريسيع، باستغلاله الخلاف بين الصحابيين للإيقاع بين المسلمين.
إذا قرأنا لغير المسلمين كتبهم ورواياتهم واستفدنا من ابتكاراتهم في التقنيات والطب والهندسة والاقتصاد والمالية وغيرها، فالمسلم أولى.
وإذا استرجعنا السجين المتم عقوبته، وأدمجناه اجتماعيا فالعالم أولى.
وإذا احتضنَّا المجانين والخارجين عن السبيل للوقاية، فزبدة جهد العالم أولى.
كلنا معرضون في هذه الدنيا إلى الفتن المختلفة، ولسنا في منأى عنها إلا بحفظ الله، فلنتقِ شماتاتنا في المسلمين.
الاشمئزاز من أحد بترك علمه، وحرمان أنفسنا من كنوزه، لهو أشبه بالهرة التي تأكل قطيطاتها إذا أنكرت رائحتها.
إن أهل العلم والثقافة فينا مطالبون بقيادة عوام الأمة إلى الرشد، ونشر الهدوء، والاحترام، وحسن اللباقة، دون الانسياق وراءهم. ويُتوَسَّمُ فيهم الثبات في مثل هذه الحوادث، وتجنب الغفلة الموقعة في محاذير ترمي بتراثنا العلمي في وادي الفتن، كما رمى المغول كتب العلماء في دجلة والفرات. 
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم