العلم هو ركيزة هذا الدين لإصلاح وتسيير الحياة الإنسانية، وسلطان على كل شيء، ولا تطاول لأحد عليه، لأنه السائق نحو الحق، ولذا سَمَتْ قيمة العلماء.
طلب معاوية رضي الله عنه البيعة ليزيد بالخلافة، فاعترضه الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، رغم قدره وصحبته، وقالوا له (إنما أردتموها كسروية وقيصرية)، مخضعين الاستخلاف لسلطان العلم.
والإمام أحمد عارض القول بخلق القرآن، وتحمل السجن على فتن الناس في دينهم.
لكن تلك الجذوة ضعفت بالتدريج، لاختلاط بعض العلماء بالحكام والسلاطين بالخصوص وموافقتهم في الباطل عوض السكوت كأقل الأضرار.
أذكر في هذا المقام نموذجين.
1/ السديس بدعوته الفلسطينيين إلى كف أيديهم عن غير المسلمين، ما يعني عدم رد العدوان، مداهنة لتطبيع واضح ننتظر مراسيمه لبني سعود.
2/ الريسوني بالطعن في استقلال موريتانيا والصحراء الغربية وصحراء تندوف بالجزائر عن دولة المغرب.
هؤلاء وقصورهم عن السياسة وأقبيتها، والفهم فيها، تدخل فيما لا يعنيهم وابتداع بعدم تركه.
وإما يفهمون ويعلمون مكائد بعض الأنظمة، لكنهم عوض إخضاعها للعلم والتشريع، فعلوا العكس.
هذا من نتائج الترويج المطلق لطاعة الحاكم وعدم الخروج عليه، ولو نصحا، فَغَوَّلَ الأنظمة على الشعوب، والإسلام، وفسح لها مجال الاستبداد.
إن من تبعات سقطاتهم، الإضرار بالإسلام والعلم، وتلطيخهما وإقرار الأنظمة الخارجة عن الحكم السليم، وتزهيد الشعوب فيهما، وفي العلماء الصادقين والتولي عنهم، سيوقعها في حيرة كبيرة من مآخذ علمها ودينها.
العوام لا يفرقون بين العلم، ومواقف أصحابه في أطر أخرى، بل هم حاطبو ليل، وقد رأينا كيف ازدروا الشيخ القرضاوي لمواقف غير محسوبة.
سنجد أمة تترك أبسط الفتاوى بما فيها المتعلقة بحياتها اليومية الضرورية، إذا أدار مصدروها ظهورهم للشعوب، ووقفوا مع أنظمة أقل ما فيها انسجامها مع محتل الأرض، ومهجر العباد، ومقتلهم، ومهدم البنيان، ومستهتر بالمواثيق الأممية والدولية.
سينتشر جهل يضع المسلمين في مفترقات طرق خطيرة جدا.
سيُمْنَحُ العلمانيون والحاقدون على الإسلام فرصة الطعن فيه وفي علمائه، غير مفرقين بين مخلصين وخائنين جبناء.
ستتيه بوصلة الأمة، وتتشتت مفاهيمها، وتفتقد لمن يمسك بيدها في سلوكاتها واحتياجاتها الدينية والنفسية والعملية والتطبيقية لأحكام الشرع، لأن مراكز الأخذ معدومة الثقة، لتعيش في خراب فكري وعلمي ومنهجي.
سَيَفْجُرُ فساد مضاعف يأمن أصحابه الإنكار، لأن مصادر العلم عند الأمة مهترئة.
ستستغل الأنظمة المكانة الاجتماعية والوزن الأدبي والثقل العلمي للعلماء لتيسير نفاذ القرارات في العمق الشعبي وكسب شرعنتها.
ستكون للشعوب مشروعية التساؤل عن مصداقية المؤلفات والمنشورات العلمية لهؤلاء المنقلبين عليها لحساب الأنظمة الوظيفية.
ستهان مصداقية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يتمتع بالاستقلالية.
ولا غرو إن أعاد أحد صلاة أمَّها السديس.
لقد أعرض الكثير عن سماع صوت السديس في المسجد الحرام، لخذلانه العلماء القابعين في سجون بني سعود، وانقلاب خطبه الجمعية من التشنيع باغتصاب المسجد الأقصى، والدعاء لأهله على المنبر، إلى المباركة الضمنية للتطبيع دون تمييز بين المسالمين والمعاهدين والمصالحين والمحاربين المحتلين، وقد كان إلى عهد قريب يَبْكِي ويُبْكِي، ما جعلهم يظنون تصنعه.
قد تصدر هذه المواقف المخزية عن مراجعات فليقرر مصير الأحكام القديمة.
أوتم انقلاب عليها وتحديثها وتطويرها واجتهادات جديدة، فلتطرح أدلتها والتفتح لنقاشات علمية وحوارات فقهية مستقلة، دون التحرج من الاختلاف، وإعلان الاستعداد لقبول الراجح إن كان ضدها.
أوعن مجرد أهواء وجبن وحرص على السلامة فلتعلن التوبة.
إن على الهيئات العلمية الإسلامية أن توطن نفسها، وتعقد المؤتمرات الطارئة لمعالجة الخلل، واستدراك الأخطاء الجسيمة، بقرارات تمتعها بالاستقلالية عن الحكومات، والتحرر من هيمنة الأنظمة، واستجماع قواها من جديد، والالتفاف حول الشعوب، وصون مصداقيتها العلمية.
Tags:
إسلاميات
