جاء في الأمثال لابن سلام: إن ضرائر رهم بنت الخزرج زوجة سعد بن زيد مناة كنَّ يغرن من جمالها، ثم أنجبت ابنا اسمه مالك، زادت غيرتهن فعَيَّرنها بالعفلاء وهو عيب يصيب المرأة بعد الولادة، فشكتهن إلى والدتها فنصحتها برميهن به إن عدنَ، تخاصمت مع إحداهن يوما وعيرتها، فقالت الضرة:(رمَتْني بدائها وانسلَّت).
يطعن المكيدون غيرهم بالفتنة خارج المقصود القرآني، لأنها في قوله تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل) سورة البقرة، شغلُ الناس عن دينهم، وتأجيج الاضطراب عليهم، فرجحت مفسدتها على ضرر القتل، فشرع لها جهاد المحاربين نصرة للدين، إذ تهون الأنفس والأرواح دونه لوأدها.
كان الشرك منتشرا، فلما دعا محمد صلى الله عليه وسلم الناس إلى التوحيد، اتهمه الصناديد بإثارتها، وهم من محن الناس في دينهم.
إذا انتصر له أهل العلم والفضل والدعوة والحكم خنقهم أعداؤه بحبل الفتنة، وأصبحت فزَّاعة وأسلوب توهين حركات النهضة والإصلاح الإنساني والاجتماعي.
رغم كشف القرآن حقيقتها وصرفَها الناس عنه، أثار بعبعها حاملوا لواء المظلومية وأصحاب المصالح المشبوهة في المال والعرض بالخصوص، لتكبيت النفسيات وتعطيل المعنويات، إفساحا لطريق الجرائم الإنسانية ضد القيم الأصيلة.
إن العقل الخبير المتفكر في الحين والمتدبر في المآل ليس به غبش في مفهومها، ولا يُزَوَّرُ له معناها، فيختبر السلوكات بمعيار الدين، وليس العكس.
أصبح مصطلحها الملفق جدارا افترائيًا معنويًا جسيمًا رفعه مجرمو الإنسانية للحجر على كل حركة ازدهار.
وتفعيلا لكل ما يخذل الدين والقيم.
ومؤثرا تحطيميًا للمخلصين لا يبقي ولا يذر، لتحييد قوة طروحاتهم ومكاناتهم الاجتماعية عن مراكز الصراع.
وآلية لإقصاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر.
ومعولا يضرب به الناهون عن الفساد العقدي والروحي والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والمالي وغيرها.
وسلاحا ترمي به أيادي ملطخة للتشويش على الأمة ومقوماتها.
وقذفا للمصلحين وعُدَّةً للفتانين الحقيقيين.
وشراعا يحرف اتجاه سفينة المسلمين، ويزهدهم في قبلتهم، بخبث يسري في عروق الدهاة.
تستباح الحرمات بدعوى تكسير الحواجز، لكن إعادة الأمة إلى طبيعتها تعتبر عند العابثين بالأعراض فتنة.
يفتنُ المكرُ بالوحدة الشعبية والترابية ويُهجا المنكِرُ بالداء نفسه.
إن فزاعتها تُنْشَرُ بذكاء الأفراد والعصب والأكاديميين استغلالا للغافلين من المجتمع، وقضاءً على التفاضل بين أهل الحق وأهل الباطل.
تقهر لغة القرآن والأصل والدين، وتُغَلَّبُ عليها لغات المستعمرين، وإذا انتفض العلماء والمثقفون والمفكرون لأصالة البلاد، أُنْذِرُوا بعذر الفتنة.
يُمَارَسُ التعصب والعنصرية والعرقية القومية المقيتة، وإذا دُعِيَ إلى الاعتصام بالله والوحدة الإيمانية، وتجنب الصراع الجاهلي، وتوطين الولاء لله ولرسوله وللوطن بُرِّرَ بها لتَذْبُلَ جذوة الدعاة الفاعلين ويزاحوا إلى هامش الحياة بإحراجات نفسية ومعنوية.
يستباح العري والحرمات في المناسبات ويُتَسَبَّبُ بها للتخلص من النهي عنه.
يهمش الأسياد، ويُسَوَّدُ المسافل، ويزدرى النصح بذريعة الفتنة.
لقد تمالأ المجرمون على منع التنبيه إلى خطر تنصيب الأصنام والرايات والتماثيل، والتفريط في الأعمال والمكاتب والورشات والتجارات والصناعات والتدريس والتطبيب، والمطارات والموانىء، بشبهة الفتنة.
بُعَيْدَ نهضة الصحوة الإسلامية لتثبيت المجتمع على السكة الطبيعية له، حاك بعض النواعق لفظة البلبلة المرادفة لها، خشية هزِّ الثقة في بعض الأجهزة.
إن الأمة بحاجة إلى قولبة فكرها، وتجديد وعيها، وتثبيت قيمها، وتوطين نفسها، ومعرفة اتجاهها، وبيان دينها، عقيدة وشريعة، وتنقيح تاريخها، لتثبيت الصحيح منه واطراح الأخطاء والأكاذيب.
كما يعوزها إعادة النظر في تمركز ذاتها، كي تربح مساحة الوطن وأهله، وتضمن انحيازها له، لأن المستعمر لن ينفع في شيء يوم يقضي أوطاره ثم يرمي المرتزقة في مهملات التاريخ، فمساحته لا تكفي لغير أبناء جلدته.
Tags:
فكر
