في قصص القرآن والسنة تسخير للتاريخ البشري، خاصة المتعلق بالأنبياء عليهم السلام، ومنها حدث عاشوراء، يوم نجاة سيدنا موسى والمؤمنين من فرعون، يذكره جمهرة المسلمين دون عِظَاتِ الماضي لتوطين الحاضر وبناء المستقبل، مع صوم دون التماس سببه ومآله، وبدعٍ تعيق تحليل العقل للتاريخ.
إن عاشوراء رمز حضاري للأمة أكثر منه مظاهر ميتة معتادة لم توقظ ضميرها الإيماني، يُسَوِّقُهَا الجبابرة من خشية صحوتها، فيهيلوا عليها الخرافات لتعمِّيَ بالشعوذة على ما تبقى من نور التأمل في الآفاق الحرة، فتقضي وطر الجهل بذبح الدجاج، والتمتع بالرشتة في يوم راحة مهنية وانتهى.
إن الله لم يُنْجِ موسى فقط، وإنما هزم الاستبداد والتربب، ونصر الحق والعدل.
يوم يُرْبَطُ بِعُشُرِ الزكاة، لأن اسمه من مادة (ع ش ر)، والعلاقة بينهما مجرد عادة، ولا يربط بالتحرر رغم انطلاقه منه.
إن أمارةَ اليوم مَعْلَمٌ قصم ظهر ربوبية ادعاها متسلطٌ واهم، تألَّهَ على قومه، ومنعهم من عبادة الله، وأقَرَّت نفسه حلول نبوءةٍ، فتحايل بذبح كل مولود ذكر، وتغابى عن التوسل للبقاء بالعدل والرحمة، وعن حتمية خراب الطغيان ولو أوتيَ مدد هامان، وعن فضيحة حاضرة تنتظر الإشارة الربانية، ولو قلَّبَ كل المكائد البشرية أمام سنن الله العظمى التي تنكَّر لها بالتطاول على الحق والعدل، لمنع رفعها ستار كذبه.
إن فراعنة اليوم، حكاما، أوشيوخ عشائر، أوزعماء تنظيمات، ذبلت إبر ضمائرهم، تجاهلا ليوم يشبه مصير من سبقوهم.
إن الترف الذي يغرق فيه هؤلاء يعمي عن يقين السقوط، لأنهم لم يتفكروا ثم لم يتدبروا العبرة الفرعونية في عاشوراء.
عاشوراء يوم الخزي والانتقام الرباني والسقوط المهين جرَّاءَ الظلم والقسوة والاستبداد، وإذلال الخلق، وتدمير كبريائهم، وتفكيك نسيجهم الاجتماعي، لتكريس السطوة إمعانًا في التفرقة، والتدثر بدهاة السوء، الدالين على الشر الدافعين إلى الشتيمة بخبث دون حماية، المورِّطين القابعين وراءَ الستائر تخفيًا من الفضيحة.
عاشوراء يوم النصر والتمكين بالعدل والرحمة والشورى وبذلٍ للأمة ورفع هامتها ومنحها القوة والمنعة وتقريبِ البطانة الصالحة الدالة على الخير المعينة عليه.
عاشوراء بما حدث لفرعونَ وجندِهِ كشفَ للطغيان نموذج أجله الآتي بكلِّ سنة ربانية أصمَّ سمعه وأعمى بصره عنها.
لذلك لا يشرع الصيام في عاشوراء لشيء هَيِّنٍ، لأنه تعبدٌ عظيمٌ، مقابلٌ لحدث عظيم لمن كان له قلب أوألقى السمع وهو شهيد.
عاشوراء عرسٌ لمن خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، وطلب الحق من مظانه، اتقاءَ مصير نهاية فرعون، يُمَدِّدُ عمر الحكم بالعدل لا بالظلم.
عاشوراء مسحٌ على صدور مستضعفين أطاعوا الله ودابروا المستكبرين، بأن ربهم ناصرهم على مجاوزي المدى بالإغراق في بحار الهوان.
عاشوراء مع اعتباره مناسبة روحية، محطة حضارية تاريخية آفاقية اعتبارية، تَصُدُّ كل ظلم وتفكيرٍ فيه، أوإقبالٍ عليه، وتعيد إلى العقل رشده، حذرًا من يوم الخسفِ القطعي.
ليست تذكيرا بمقتل سيدنا الحسين رضي الله عنه، يوم العاشر من شهر محرم سنة 61 هـجرية، وإنما تحذير من مصير الشيعة المتآمرين للغدر به.
إن تخصيصها بالعبرة، دليل على قدرها، لأن الله أذلَّ فيها الجبروت، ورَدَّ للمقهورين عِزَّهم.
إن المرور السفيه على الذكرى تثبيت للغفلة، وتأسيس للتيهان التاريخي، وإفساحٌ للاضطهاد، وتطبيع للإهمال واللامبالاة، وتنازل عن معالم العزّ، وتضييق على النظر الحادِّ في الآفاق الممتدة إلى الانعتاق.
إن الأمة اليوم في حاجة ماسة أكثر من أي زمان، إلى الوعي والعلم بماضيها وحاضرها ومستقبلها لتؤسس حضارة تملك أسباب التعمير بالعدل وكرامة الإنسان على حقائق عاشوراء، لا على أوهام السحرة والمشعوذين.
Tags:
فكر
