التمحيص بين الاستحسان والترخيص

الأدلة الكلية أصلية وهي الكتاب والسنة، وتبعية وهي كثيرة، ومنها الاستحسان، يعدل إليه بفقدان الأولى منه، ويُعَرَّفُ بأنه العدول بالمسألة عن
حكم نظائرها مخالفة للقياس، أواستثناء من القواعد لما ينقدح في نفس المجتهد، وفقا لقواعد محددة، يراعي المصالح ويدفع المشقة عن الناس في ضوء مقاصد الشريعة.
كبيع العرايا، وهو تبديل الرطب على النخل بخرصه تمرا، على غير القياس القاضي بربويته لأنه متفاضل.
أما الرخصة فتعرف بأنها العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إذا حلت على العزيمة المشقة غير العادية، رفعا للحرج ليتمكن المكلف من الأداء بيسر كغيره.
كالعدول من الوضوء إلى التيمم، أوصيام أيام من رمضان إلى قضائها بعده.
والمتتبع لمواقع الاستحسان يجد أسبابها مشقات، ومقاصدها تيسيرات.
إن النصوص الشرعية لم تخالف القياس العقلي السليم أبدا، لكن العدول عنه لاحتياجات أومشقات استحسان.
أما الرخصة فعدول عن العزيمة لمشقة غير عادية، تسمى الحرج أوالجناح.
وهي منصوص عليها، وإذا اجتهد فيها استلهاما من قواعد الشرع، وامتدادا لنصوص مجانسة، تصبح استحسانا:
1/ إما نص عليه الشرع تعليمًا لنا، كالعدول عن إيجاب قضاء الصيام للناسي الوارد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مَن أكَلَ ناسِيًا وهو صائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ. رواه البخاري، لأن القياس هو القضاء.
2/ أواجتهد له فهمًا واستنباطًا وإنشاءً، كالفتوى الحديثة المستحسنةِ انتقالَ المُفيضِ من عرفة إلى منى دون المبيت في مزدلفة مراعاة لمشقات مختلفة، كالكبر والعجز والمرض والزحام.
وبطريقة حسابية نجد الاستحسان عدولا عن القواعد المستنبطة من النصوص، أوعن نظائر المسألة دفعا لمفاسد أرجح من المنفعة المطلوبة أوالمعتادة، لحرج في إنفاذها، وهو عمق معنى الترخيص، لكن بأحوال ومقاصد تنقدح في ذهن المجتهد.
ولا يمكن اعتبار الاستحسان نسخًا، لأنه خاص بالوحي، فلم يبق إلا اعتباره ترخيصا.
كثير ممن ليست لهم دربة في علم الأصول يعتبرون الرخصة تنازلَ الشرع إلى الأدنى، والحقيقة أنه قد تكون إلى الأعلى كذلك، بجامع ترك العزيمة.
وهذا قد يطال الاستحسان النصي، أوالاجتهادي التشريعي، أوالعاداتي.
فالعدول عن تقدير ثمن الماء المستعمل في الحمام لمشقته إلى الدفع الجزافي، سمي استحسانا وهو ترخيص، قد يشعر الزبون المستحم بعلويته إذا اعتبر الثمن غاليا، أوبدونيته إذا اعتبر الثمن رخيصا.
والعدول عن رمي الجمرات في أيام التشريق من الظهر، إلى الابتداء منذ الصباح استحسان، دفعا لمفسدة الزحام الذي أدى إلى موت الكثير من الحجاج عند مدخل الرمي، وهو ترخيص، وتشرفت بالتنبيه إليه عاما قبل الإفتاء به، واعتبرت العدول رخصة لرمزية الرمي المرافقة لتعبديته، فنعدل عن وقته المضيق إلى الموسع.
إلا أن بينهما عموما وخصوصا في أمرين:
1/ يدل على الاستحسان النص والاجتهاد، ويدل على الرخصة النص فقط.
2/ يغلب الدوام على الاستحسان، والدوام والتوقيت على الترخيص.
القياس عدم تدوين الأقوال والفتاوى والاجتهادات المرجوحة والمتراجع عنها، والاكتفاء بالراجحة صيانة للوقت والجهد، لكن رخص في تدوينها استحسانا للتعريف بوجوه الترجيح وتعارض الأحكام والأدلة ومآخذ الأئمة للتنبيه والتعليم، ولاحتمال التراجع.
وقد علمتنا النصوص الشرعية الاستحسان المرخص به قبل اعتباره دليلا أصوليا.
فالعدول عن كتابة المبادلات والبيوع التجارية المدارة رفعا للحرج عن الباعة استحسان ورخصة لأن القياس هو الكتابة.
والعدول عن تعجيل تسليم المبيع الموصوف مقابل دفع ثمنه استحسان مخالف للقياس وترخيص للمسلم إليه في اعتباره دينا لتحصيل منافع عاجلة بالمال.
فحريٌّ بالأصوليين إعادة النظر في الاستمداد، والاصطلاح، لحصر دوائر أصول الاستنباط.
وحريٌّ بمنكري الاستحسان إعادة النظر في موقفهم منه إذا بقي اعتبارهم للرخصة وعملهم بها تجنبا للنقض.
وحريٌّ بطلبة هذا الفن توسيع مداركهم لمزيد استكشاف شرعي أصولي لإمداد البشرية بالأحكام الشرعية والقانونية على أسس معرفية علمية صحيحة تيسر التطبيقات المختلفة.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم