المقاربة الصحيحة للمرونة

أحكام التشريع الإسلامي ثابتة ومتغيرة، متينةٌ ومرنةٌ.
والمرونة أصلية، غير طارئة، من الفروع المستنبطة بأدلتها التفصيلية، إلى المُتَجَدِّدة المستنبَطة بالأدلة الكلية، والقواعد القياسية المستخلصة من النصوص والاستقراء، والمؤشرات المقاصدية الحقيقية الصحيحة ظنًا، أويقينًا، لا وهمًا.
لكن الصورة النمطية المرتسمة عنها هي لَيُّ الأحكام الموجبة أوالمحرِّمة بلا ضابط، تمليها مضايقات موهومة.
يتهيأ للبعض أصلية العسر، واستثنائية اليسر، وهذا خطأ، فالأحكام الخمسة من وسع التكليف {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وإذا وقع عنت رُفع ببيان التشريع، ولم يفوِّضه لأهواء أوتخيلات أوتقديرات غيره، ولننظر إلى الطهارة والصيام، والحج، والدِّيَة، والظهار، وصيد المُحْرِم، والربا، تكفَّل التشريع حصريا بعلاج حالَة الجُناح، بالتيمم، والجلوس أوالاستلقاء، وتأجيل الصيام، والنيابة في الحج أوالرمي، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام المساكين، وبيع المكتسب لابتياع عدله طعاما، أوذهبا.
عوض الاغتسال والوضوء، وصيام الفرض، والحج أوالرمي، ومال الدّية، وتحرير رقبة، والمماثلة للصيد، والتبادل الربوي.
ومنه التدرج نحو الرضوان الرباني، {إنَّ هذا الدينَ يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبهُ، فسدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا ويسِّروا واستعينُوا بالغَدوةِ والروحةِ وشيءٍ من الدُّلجةِ} رواه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
بنصوص واضحةٍ قرآنًا وسنةً، لم يُوكِّلْ أحدا عنها.
كما قَرَّرَ بها مقاصدها، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}، عن الصيام، {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُومِنِينَ حَرَجٌ}، بإباحة مطلقة، وأرملة المتكفَّل به، {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} بالتيمم، وغيرها.
فَحُسْنُ النظر إليها مؤشر على فهم العقول، وطرد الأهواء في البحوث والنوازل الجديدة.
ولم تنشأ للمرونة أبدا حلولٌ مبيحة للمُحَرَّم، أومحرِّمة للمباح، تذرُّعًا بيسر الدين.
شَهِدَتْ الصحوة الإسلامية قبل التنظيمات والأحزاب دعوةً واسعة إلى الالتزام بالإسلام، استجابت شريحة اجتماعية عريضة، انتشر الحجاب، وانقطعت مصافحة الجنسين، وأُعرض عن البنوك وصناديق التوفير والاحتياط خشيةَ الربا، فدعت إلى التعامل الحلال، حذرًا من الإفلاس، وتَحَفَّظَ الناس من اقتناء الحاجيات بالرشوة، فكادت تنقرض في فترات، وفصلت بعض المؤسسات التعليمية المختلطة البنات عن البنين في الساحات، وفي القاعات ما أمكن، وخُصِّصت فيها المصليات، وانتشرت الحفلات الإسلامية في الأعراس، وتوسعت قراءة الكتب، وعرَّج الفكر على آفاق التحضر الإسلامي، الممهد لاستعادة الخلافة، بالهِمَّةِ والتفاني وعدمِ تمييعِ وتحوير مصطلح المرونة، وفهمَ الناسُ أنها لبذل المستطاع لا للمروق من الامتثال كمروق السهم من الرمية.
فلما تميَّع مفهومها بعد عهدٍ، حلَّ التهاون تذرعًا بها.
حتى انساقت بعض اجتهادات الباحثين بمستخرجات القواعد والأصول والمقاصد، عوض استخلاص النتائج الفقهية العلمية باستمداد محايد، إيجابًا، أوإباحَةً، أوتحريمًا.
تبارى مانعون مضيِّقون دون استدلال صحيح، بروح التشديد، ومبيحون دون فقه الرخصة، بروح المرونة، ربما تدفعهم الحاجة نحوه ولو على حساب الأحكام الصحيحة.
فالصناعات، والحرفيات، والبنكيات، والتجارات العادية والإلكترونية، والصيغ المتعددة لاقتناء السكنات العمومية أوالخاصة، أوالإفراط في اتخاذ الكراسي في المساجد كالكنائس، أوالاكتفاء في الفريضة بمتابعة إمام المسجد الحرام من الفنادق، وغيرها من الواردات الجديدة، لا ينبغي الانسياق وراءها بلا ضوابط بحجة المرونة، بل تَلْزَمُ الشرعَ بكل مصادره، وأحكامه بتطور وتغيّر الوسائل والأساليب الحديثة والأعراف البيئية المعترف بها في التطبيقات النصية والاجتهادية، كالتقديرات السياسية والسلطانية، والترجيح بين المنافع والمفاسد في إطار المصالح المرسلة، وليس العكس.
فكَّر أخ لنا في الرشوة لنيل سكن اجتماعي محتاج إليه بشدّةٍ، استشارني، فنصحته بتركها، لأنها لا تقدم قَدَرًا ولا تؤخره، وإذا أذن الله فسيناله، تركها لله، فكتب الله أن يناله بدونها.
لقد سهونا في غمرة الحاجيات الملحة توفيقَ الله، فَوَكَّلَنَا إلى سهونا.
إن المرونة هي القدرة على التعامل مع المواقف الصعبة بتقوى وثبات، لا بهوى واضطراب.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم