طوفان الأقصى وَ{تَمَرَّغْ فِي تُرَابِهِ}

{إذَا فَاتَكَ السُّوقُ تَمَرَّغْ فِي تُرَابِهِ}: أي عليك اغتنام فرص البيع والشراء قبل فَضِّ السوقِ، وإلا فيعني الفشلَ والحسرة.
مثلٌ عربيٌّ شهيرٌ يُضرب لمن ضَيَّعَ الفرصة وفوَّت الغنيمة، وحُكي عن الأصمعي أنَّ {الصيفَ ضَيّعْتِ اللبنَ} مثلٌ يُضرَب لمنْ تركَ الشّيءَ في وقتِهِ.
أُسْقِطُه على سلطة الكيان الغاصب الذي جعل من السابع أكتوبر سببا تنجيشيًّا وفرصة لا تُعَوَّضُ لتبرير إبادته الإنسانَ وانتهاكه العرضَ، واجتياحه الأرضَ، وحرثه الدروبَ، وحرقه البيوتَ والمساجدَ والمستشفياتِ في انتقام يُكرِّس تنفيذًا باطنيًّا لعقيدة راسخة توجب قتلَ من يُظَنُّ فيه المواجهة والجهاد لطرده من أرض القداسة والرِّباط، حسما للرجال والشباب، واستحياءً للنساء، واحترازا من الأطفال، لئلا يَشُبُّوا فتيانا غلاظ السواعد على مناهج الأسلاف، انتقامًا من تاريخ الاستخفاف الفرعوني، أومحاكاةً له، بإسقاطٍ على المسلمين عمومًا والعرب خصوصًا، حقدًا على النبوة فيهم، وغيرةً منهم، وحسدًا لهم، كمن تستحِرُّ ضغينتُه على السّرج عوض الدابة، أوعلى البَزَّة عوض العسكري، وكشَّر عن أنياب جبروته بسلاح الغرب، كتمالؤ الحلف الأطلسي مع فرنسا على حرب التحرير الجزائرية.
لأنه قرر هذه المرة تفعيل التشريع القانوني القاضي بترك أسراه لحتفهم، تَجَنُّبًا لمساومته، اتعاظا من صفقة سنة 1985م التي سلَّم فيها عددا هائلا من الأسرى الفلسطينيين.
والدليل تعطيله التوقيع على صفقة شاملة لتحرير أسراه، والانسحاب ووقف الحرب، رغم تعرض عدد منهم للموت تحت القصف.
فمنذ تبادل الأسرى يوم الجمعة 24 نوفمبر 2023م الموافق للعاشر من جمادى الأولى 1445هـ، لم توافق سلطة الاحتلال على أية صيغة مقترحة من الوسطاء الأمريكيين، والمصريين، والقطريين، بل تلاعبت ببنودها، وفي التعبير عن موقفها، ولم تتمسك بما قد يضيع، وقديما ورد عن المسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلح الحديبية بمرونة كبيرة قبل فوات الأوان وضياع الإمكان {لا يَسأَلوني اليومَ خُطَّةً يُعظِّمونَ بِها حَرَماتِ اللَّهِ إلَّا أعطيتُهُم إيَّاها}. رواه البخاري، وأبوداود واللفظ له، رغم المرونة التي أبدتها حركتا حماس والجهاد، لأنه في تقديري قرأ المشهد جيدا، فأراد استغلال التنازلات بابتزاز أكبر، فتبخَّرت معادلة الأسرى مقابل إفراغ سجونه، والتي أعتبرها عُروضًا لا ترقى إلى مستوى وجسامة التضحيات والهدْم والدمار والإزهاق والحق الإسلامي في الأرض المقدسة والباطل المسلَّط عليها من الاستبداد الغاصب.
يفترض أن ينفد صبر المقاومة الباسلة، فتُقَرِّرَ إخراج ما خفي في جعبتها من السلاح والرجال لتخوض حرب استنزاف، مُتَحَمِّلةً كل تبعاتها، وترمي بالهلع إلى الصَفِّ الآخر ليضرب الله في قلبه الرعب، فتأتيه من فوقه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فيقعَ في مستنقع أشدَّ مما هو فيه، ويتمرَّغَ في تراب غزّة، فيحاصَرَ وجنوده بين فكي كماشة قِبَلَ التقدم ودون الانسحاب.
وحينها أعلم يقينا أنه وحلفاءه من الغرب والعُرْبِ والعجم سَيُلِحُّونَ على إبرام صفقة تحفظ له ماء وجهه ودم عروقه، كما ناوروا سنة 1948م وأوقف العملاء عملية التحرير، أويتوب الخونة المُخذِّلون ضده، ليهرب دون مدرعاته ومزمجراته، ويعود عسكره أدراجهم إلى ذويهم ما بين حيٍّ وميِّتٍ ومجروحٍ فُرَّارًا لا كُرَّارًا، مهزومين مأزورين لا منصورين ولا مأجورين،
وحينئذٍ سيكون موقف المقاومة أشدَّ بأسًا وأصلبَ عودًا، قائلةً له: {إذَا فَاتَكَ السُّوقُ تَمَرَّغْ فِي تُرَابِهِ}، في إشارةٍ صريحةٍ غيرِ لمَّاحةٍ إلى الفرص الضائعة أيام الطغيان الذي ظنه دائمَ المقام، ولم يعلم من سنن الله في كونه أن {دوامُ الحال من المحال}، وهو يحرص على تصفية القضية، واستعادة أسراه بالقوة، لكنه قد يُضَيِّع الكلّ، وقديما قالوا:{قد تُضَيِّعُ مَا تَحْرِصُ عَلَيْهِ}.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم