طوفان الأقصى و{اركب معنا}

بعد انتهاء إمهال قوم نوح إلى غاية الإيمان والصلاح، أوالبقاء على الكفر والفساد، أُخبِرَ نوح بأنه لن يؤمن من قومه إلا ثلة قليلة مصطفاة اختارت الهداية والجنة، {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}.
أُمِر بصناعة السفينة ليُقْضَى ما قُدِّرَ عليهم، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}، لقد انتهى وقت الانتظار والترقب، ويرون {الصواريخ عبثية}، مثل {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ}.
لكن إن قاد ذلك صوابُ عصمة الوحي دون خطأ، فإن العمل خارج النبوة غير مُنزَّه، إلا اقتباسًا منها لاستئناف السير البشري الإيماني، أوالتحرري، أوغيرهما من سبل الخير، بالدراسة الدقيقة المعمقة علميًّا وتاريخيًّا وواقعيًّا وإمكانيًّا بالعدد والعدة اقترابا أرضيًّا ظنيًّا من العواقب المقدرة سماويًّا، وابتعادا من عوارها قدْر الإمكان، لأن الخطأ في هذه الظروف القائد نحو الخور، "لا سمح الله" غير مسموح به، لما يحمله من تبعات في الأرواح والأموال والعتاد، والمعنويات، ومستقبل الدين، والقضية، ومصير البناء المشيَّد عقديا وفكريا وتربويا وتخطيطيا وتحضيريا، لأن بذلها في وسع مضمون الاستهداف ظنًّا يعتبر ثمنا مفروضا، ولو بَهُضَ، فكلما ارتقت قيمة السلعة ووقع الطلب عليها غلت، أما بذلها دون ظن تحصيل البدل فهدرٌ، فإن حركتيْ حماس والجهاد بجناحيهما المسلحيْن القسام والسرايا ركبتا طوفان الأقصى بعد انتهاء إرجاء العدو ليكبح ظلمه وابتزازه، ولقطع طريق توسيع استعماره، وشغله عنه، وحسم مادة التطبيع معه.
دعا نوح ابنه بيقين النجاة {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ، وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ}، ونادت المقاومة أبناء عقيدتها المنعزلين إلى النجاة القاطعة في حضن الالتحام والالتفاف الجمعي حول طهارة القضية.
لكن ابن نوح ظن الخلاص في الجبل {قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ}،
وقاس عليه المُخَذِّلُون على موقفه، ظانين الإنقاذ بالإيواء إلى زخرفات القصور، والأرائك، والسلطنات، والمملكات، والإمارات، والرئاسات، لينعم {وهما} جلالة السلاطين، والملوك، وسمو الأمراء، وسيادات الرؤساء، وسعادات المترفين، بلجوءات ذليلات إلى أعالي الضفات، وراء البحيرات، أوبمنعات لا تقوى على زخات بَلْهَ القصفات، لتعصمهم من عواقب الغرق {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ}، في بحر مَخَرْتْ في لُجَّتِه سفينة طوفان الأقصى، أومن إغواء العدو الماكر، كما أغوى الشيطان ابن نوح، فيقال لهم {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}، متذرعين بالإعراض عن إشارات تحذيراتهم، وهم الكبراء بالخيلاء تحت نفخات البدلات، والعباءات، والرداءات، غافلين عن فتح السماء بقضاء منهمر، وتفجير الأرض بصف قد استنفر، وسلاح من النفق قد انتشر، وحُمِلَ بأيدي رجال جُسُر، على عدو ظُفِر، يقاتلون في سبيل الله كل من كُفِر، وضاق الوقت عن دفع صائل تَجَبَّر، وبُهِتُوا عن قدسية الأرض والعرض، وقاسوا على شك ابن نوح في الغرق، فقالوا {ما لنا وللقسام والسرايا}، فرفضت قنوات وصحف الإعلام الركوب في سفينة طوفان الأقصى، بما فيها المتظاهرة بالتأييد كالجزيرة وغيرها، بعبارات التمريض، وألفاظ التهوين، فقالت {نشرت القسام صورا "تقول إنها كذا وكذا"}، خشية عتابات نافذات، ترقب المَاجَرَيَاتِ وتدوِّن المعارضات لتسليم الجائزات، والمؤيدات لتسوم الإهانات بعد النهايات، اقتباسا من النفاق {وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ يَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، لكنهم يقينا يريدون {وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا}.
بعد ابتلاع الأرض ماءها، وإقلاع السماء، وغيض الماء، وقضاء الأمر، واستواء السفينة على الجودي، تَرَجَّى نوح ربه بوعده الحق، وإحكامه، لإنجاء ابنه.
وأبطال الأقصى سيحاكون رداء أبوة نوح، وعفو النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض بقايا الشرك يوم الفتح، بترك أمر من رفض ركوب من كل زوجين غزةَ ومقاومتها لربهم، والتعالي على خسيسة الانتقام، من كل صادٍّ عن طوفان الرجال الأبطال، ودعوة {اركب معنا}.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم