ينحصر استمداد مقاصد الشريعة كغايات تبلغها الأحكام في:
1/نصوص القرآن.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}، بتأجيل الصيام.
{وَلَـٰكِن یُرِیدُ لِیُطَهِّرَكُمۡ وَلِیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكُمۡ}، بالتيمم.
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}، بتعاقب الليل والنهار، كمقصد كَوْنِيٌّ.
{لِّيَشْهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَٰتٍ} بالحج.
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بتجنب الخمر.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}، بفرض صيام رمضان.
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ببيان أحكام المناكح.
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}، بإباحة الإماء.
2/نصوص السنة:
{عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، رواه البخاري ومسلم.} لحرمة العورات.
{قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة، وقد خطب امرأة: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". رواه الترمذي وابن حبان.} للميل ودوام العشرة.
{قول النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود} لإعفاف البصر والفرج.
ولاستمدادها شروط أهمها اللغة، ومعرفة سياقات النصوص.
3/الاستقراء: من الأحكام الفرعية المستنبطة من أدلتها الجزئية.
كمقاصد:
{جمع الشمل} المستقرأ بنصوص وفروع أحكام الأسرة.
{الرفق}، و{الرحمة} المستقرأ من أحكام وفروع معاملة الإنسان والحيوان.
{العلم}، المستقرأ من أحكام وفروع الأمر بالعلم، والترغيب فيه، ومحاربة الجهل.
{التمليك}، المستقرأ من فروع البيع، والشراء، والهبة، والعمرى، والرقبى، والوصية، والميراث، والصدقة، وغيرها.
ويستمِدُّها من مظانِّها أهل العلم والاجتهاد بقرائحهم الذهنية، وبراعاتهم العلمية الموهوبة لهم أوالمكتسبة من الله تعالى، وهو سبيل ابتلائيٌّ قويٌّ ليس هَيِّنًا، يقتضي دُربة عقلية بالمخالطة الفقهية، والتمرس العلمي، الذي يصبح بالحرص فنًّا، وملكةً.
فليس للعوام وطلبة العلم مثلنا ادعاء معرفته.
كالخروج من تعارض مقصد جمع الشمل، مع تحريم المرأة، أوالطلاق الثالث قبل المراجعة ودون العدة.
لقد اكتشف الإمام الشاطبي هذا الفن، تصريحًا، رغم تلميح الأذهان قبله، وإن تأخر الكثير من فطاحل العلماء {ببشريتهم} عن كشفه، فنحن العوام وطلبة العلم من باب أولى، لأن له شروطًا تضبطه ليسمى المصطلح مقصدًا، منها موافقة النصوص القطعية، وصحة استقرائها، وجريانها على السنن الربانية في الكون، ومعرفة الفرق بينهما، وواقعيتها، وحقيقتها لا وهمها، وعمومها لا خصوصيتها.
تعرض الحكومات قوانينها على الدستور، فينتشر مصطلح "دستورية القوانين"، فالمقاصد الشرعية أعظم منها، لأنها تحكم على صواب أوخطأ الفروع الفقهية المتوصل إليها اجتهادا في فهم النصوص، أوفي توظيف قواعده خارجها، ولذلك يتطرق إليها مؤلفو "أصول الفقه" في الأخير، ليس تهوينا لها، وإنما لأنها البوصلة الصحيحة على سلامة سير الاستنباط الفقهي خاصة في الظنيات.
فهي كالمؤشرات الحرارية، {ترمومتر}، تصاعديًّا، وتنازليًّا، وليست مُسْتَغَلاَّتٍ، يستعملها ضعيف الحجة والعلم مِثْلُنَا في فرض الإيجاب، أوالإباحة، أوالتحريم، أوالعكس للتنصل منها، فالكل خاضع لها لا مُسْتَغِلٌّ.
وهي ملاذ المجتهد في تقرير الأحكام للتأكد من توازن عمله.
ولذلك يُبدأ في البحوث بالأحكام، فإذا شعر المجتهد بالعجز عن المزيد عرضها على المقياس المقاصدي، للمضي أوالتعديل، لا أن يَقْصُرَ عن أحكام الفروع في نصوص الأحكام، وقواعد الاجتهاد، فيقفز بسرعة إلى ادعاء المقاصد لتمرير مراده.
لأن المقاصد مؤشرات اطرادية، لا مُوَظَّفَات.
أما إذا حدث تعارض بين أحكام صحيحة استحال الجمع بينها، نرجح بتعارض المقاصد وتقديمها.
وإذا لم يكن كل عالم مصيبًا في النظر إليها، فليتق الله فيها غير فطاحل العلم ادعاءً، واستغلالاً، وتوهمًا.
Tags:
شرعيات
