طوفان الأقصى وهوامش الأذهان

تمر الأحداث على الناس. فمنهم:
1/ المتعامل معها بعقل حرّ، ليفكك جزئياتها حقا أوباطلا، صوابا أوخطأ، ويُنَزِل عليها أحكامه الطليقة، يراها من خارجها باستقلالية، فينصف مراحلها ليقوِمها ذاتيا وفقا للقواعد المتوفرة لديه منطقيا أوكونيا أوتشريعيا إسلاميا أووضعيا.
2/ المُسْلِمُ ذهنَه لغيره فيرى بمناظيرهم فقط، ولكل منظارٍ مَشْرَبُه وإعلامه وتأثيره ومصالحه وعلاقاته وتكتلاته المتغيرة غير الثابتة في عالم العقيدة والثقافة والسياسة والاقتصاد.
وفي فضاءات الاستقطابات العددية والحكومية يوضع المُقَلِدُون في صياغات مضبوطة جدا لضمان الولاء والإشهار النائب للاستخدام في أروقة المغالبة.
مثل هؤلاء في غفلة نائمون يصعب إيقاظهم، لانصهارهم في بوتقات فكرية محكمة الاغلاق، وهم على قسمين:
1/ الجاهلون بوقوعهم ضحاياها يصدرون مواقفهم بهيئة تبعية تتوهم الاستقلالية بها.
2/ العالمون بالصورة الواضحة، لكنهم وجدوها حوامل لأفكارهم يستثمرون بها أثناء المواجهات الحوارية والتشكيلية العقدية والثقافية والفكرية والسياسية.
إنَّ العقل إذا تأقلم مع نمطِ تفكيرٍ معين، ووضعِ سَيْرٍ محدد، وأُفُقٍ مرسومٍ، يسهل لمُصَممِ معالمه اقتياده، ويصعب على مُوخِزِهِ إيقاظه ليتحرر.
إنها محامل عقلية للبعض، وصناديق مغلقة على البعض، لترى من قبوها فقط فتصمم للحياة كل ما يحاكي ويشابه الداخل، استقواءً بِحِمًى موهوم، وتَصُدُّ وتقاوم كل ما يخالفه درءً لهاجس معدوم.
طوفان الأقصى بركان فجّر كل متناقضات البشرية، فرماها شظايا في نقاط على مسافة متساوية من دائرته المركزية، فحملتها الهوامش الآتية:
1/ هامش الزمن:
فُطر الإنسان على الملل من طول زمن أي عمل حتى الصلاة، فمن باب أولى الحروب، وخاصة غير المتكافئة، إذ يمكنه إضعاف قوة الصبر، خاصة عند الضحايا، والإضرار بالمعنويات، والتدرج نحو الانسحاب من المشهد، وما استجابات بعض الغزيين للفتنة المفاجئة من عناصر في فتح والأمن المصري داخل غزة إلا انسياقات وراء الزمن الحربي الطويل، ولا ينجو من هذا الهامش إلا المؤمن يقينيا بالأجل مهما اختلفت الأسباب، وأن الزمن الطويل كما ينهك المظلوم الصابر، فإنه كذلك ينهك المعتدي في كتائبه البشرية، وعدته المادية.
2/ هامش النتائج:
لا يجوز لنا إخفاؤ حقيقتها الحربية الميدانية اليومية المُوَجِهَةِ للعقول، ولا نستغفل مشاهديها المتألمين من بعيد، ومعايشي الضحايا والدماء وحطام البنية التحتية وغيرها، لكن لا يتحرر منه إلا المؤمن بأن لا واقعة إلا بقضاء الله وقدره.
3/ الهامش الإعلامي:
ولا نبالغ إذا غلّبنا تأثير قناتَيْ الجزيرة والعربية على النظرة إلى الوضع، ونعني بها نظرات الأباعد، فمن الواقعية الاعتراف بأن جمهرة كبيرة وخصوصا من المسلمين تتابع القناتين باهتمام واكتراث، بما في ذلك إخواننا الفلسطينيون خارج غزة، بسبب الهالة الصياغية للأداء الإعلامي.
فالجزيرة بالتأييد والتفخيم والتغرير أحيانا، والعربية بالتعريض والادعاء التحليلي واستضافة الشخصيات من مختلف المشارب والمواقف والإشارات المخذلة أحيانا، كل منهما أغلقت على متابعيها الفكر.
4/ الهامش الأمريكي:
يعرض فكره على الذهن الإنساني بالنمط المهيمن على الكون، ليستثمر في الطوفان بدروه الضاغط.
5/ الهامش الوصائي:
وهو شامل للجانب:
١) الفارسي:
لتوسيع تصدير العقيدة الشيعية واستلال المقاومة من الصف السني العربي.
٢) الغربي:
للإيغال في تأييد الاحتلال بتسويق النمط الإجرامي للمقاومة.
٣) العربي:
بالضغط على المقاومة لقبول وتبني كل مقترحاته ليبعدها عن طبع الإباء وإلباسها رداء الخور والخنوع.
كلهم يضغط لفرض وصايته على الطوفان، للاستحواذ على الولاء والآثار.
إن على العقل المسلم:
أ) الإفلات من هذه الهامشيات التي تؤول الى قوالب بالتدريج تصوغ تفكيره وصناعة رأيه وموقفه.
ب) النظر إلى أحداث الطوفان بالرمزية المصدرية الروحية الموجودة في قواعد الكتاب والسنة كما يفهمها تأييدا أوتقويما.
ت) الاستقلالية عن الحكومات والمذاهب الموالية لها، لتتضح له الصورة من كل جوانبها لا بعضها.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم