الأحكام الخاصة والمقاصد العامَّة

الشريعة رحمة، مراعية مصالح العباد، بجلب المنافع ودرء المفاسد، بمقصد عام، يحوي مقاصد جزئية للأحكام، وقد يُستنبط المقصد العام من الحكم الجزئي ومقصده التفصيلي.
لا حظت منبعا جديدا للتقعيد وأنا أقرأ بتمعن كتاب (أدب الطلب ومنتهى الأرب) للشوكاني رحمه الله.
مقاصد عامة منطلقها أحكامٌ خاصةٌ، أمثلتها:
1/ عن جابر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد ضرب عنق رأس المنافقين عبدالله بن أبيّ بن سلول بعد حادثة المريسيع فقال النبي ﷺ، (دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، رواه البخاري ومسلم.
مقصد الحديث صيانة الأعراض باتقاء كلام الناس، وبالأخص النبي ﷺ، لكنه ينطلق من الخصوصية إلى مقصد تشريعي، وهو تجنب نفرة الداخلين إلى الإسلام والراغبين فيه، بضمانهم الأمان الذي يسمعون عنه.
2/ خصَّ النبي ﷺ بعض المهاجرين والمسلمين الجدد بغنائم كثيرة من غزوة حنين، على رأسهم أبوسفيان بن حرب، وأبوسفيان بن الحارث، والأقرع بن حابس، رضي الله عنهم، فغضب الأنصار، وقالوا: (أيعطيهم ويتركنا، ولا تزال سيوفنا تقطر من دمائهم؟)، والغرض الخاص تأليف قلوب المعطَى لهم، لحداثة عهد بجاهلية، والمقصد يعمُّ العهود القديمة، واستصحابها يوم تمتحِنُ الأحداثُ الناسَ، فالأنصار عاهدوا النبي ﷺ في بيعتيْ العقبة على النصرة مقابل الجنة لا مقابل الدنيا، فكان امتحانا لهم ولمن بعدهم في مدى القدرة على لزوم العهد بصفاته وآجاله عندما تَدْلَهِمُّ صروف الدهر.
أجد ذلك متناثرا في مناسبات، كتكريمات، تُمْنَحُ للبعض، امتحانا ربانيا لغيرهم على تشوفهم للدنيا ونسيانهم إكرام الله في الآخرة؟
3/ روى البخاري والبيهقي وأبوداود أن عمرو بن العاص رضي الله عنه صلى بأصحابه جُنُبًا، فقال النبي ﷺ (صليت بأصحابك وأنت جنب يا عمرو؟) فقال (سمعت الله يقول "ولا تقتلوا أنفسكم")/ النساء/ 29، فأقره وضحك، ولم يقل شيئا.
فيه إقرار خاص، وإشارة إلى مقصد التيسير وتقديم حفظ النفس على شرطية الوضوء، فأراد التعليم بالسؤال رغم علمه المسبق.
4/ اشتكى أعرابي سواد مولوده، فقال النبي ﷺ: (لعله نزعة عرق)، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
معالجة خاصة، ومقصدها التريث في اللعان بتخوين الزوجة، تحقيقا لمقصد عام هو اجتماع الأسر عوض التشتت.
5/ عن أنس رضي الله عنه قال أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد فكره رسول الله ﷺ أن تَعْرَى المدينة وقال (يا بني سلمة ألا تحتسبون؟) فأقاموا. رواه البخاري.
توجيه خاص يستهدف مقصدا كليا بالإقامة في الثغور لحراستها من تسلل الأعداء.
6/ عن محجن أنَّهُ كانَ في مَجلِسٍ معَ رسولِ الله ﷺ فأذَّنَ بالصَّلاةِ ، فقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثمَّ رجعَ ومِحجنٌ في مجلسِهِ فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: ما منعَكَ أن تصلِّيَ؟ ألستَ برجلٍ مسلمٍ؟ قالَ: بلَى، ولَكِنِّي كنتُ قد صلَّيتُ في أَهْلي. فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ (إذا جئتَ فصلِّ معَ النَّاسِ وإن كنتَ قد صلَّيتَ) رواه أحمد والنسائي.
موعظة خاصة مقصدها عام وهو حفظ صف المسلمين في كل شيء بدءً باجتماعهم على الصلاة، ولو تنفل بها بعضهم، ولذلك قيل بوجوب إعادتها مع الجماعة، لهذا المقصد.
ولهذا تقررت قاعدة {العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب}.
قد تتقرر المقاصد الكلية بالاستقراء، لكن يفترق انطلاق القواعد من عموم منطقي، مع خصوص جزئي.
فالخصوصيات منطلق القواعد المقصدية المستنبطة أعلاه.
وتنقدح هذه المقاصد بالسبر الجيد لأعماق دلالات النصوص، أومآلات المسائل الاجتهادية، في ذهن الأصولي أوالفقيه الموسع لمدركه العقلي.
والمُقتَصِدُ يقف عند التوجيه الحكمي الخاص تكليفا أوترخيصا، أما المجتهد فيوسع النظر المقاصدي إلى النفع العام.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم