إنّ معرفة فن التأثير على مخيّلة الجماهير تعني معرفة فنّ حكمها.
نرى هذا في اقتيادها، بتأثير عجيب، يسلبها إرادة عقلها، ويصرفها كلَّ مناسبة إلى حدث أواحتياج مالي أواقتصادي أوسكني، ويضرب استقرارها.
لوبيات يُلَوِّحُونَ لها من الخلف، يتموجون بها كتموج الستار، أوتدافعِ الزحام، يفجرون لها الأزمات الملهيات، مفعول بها للمجهول، يجرجرونها وراءه مسلمة له حتفها.
يحسدون راحتها، وتمتعها بها، ويضايقهم وعيها، فيحيلونها عنه، يميِّعون الساحة بكل ما يشغلها عنهم، إلى الإعلاميات، ومناورات الأخبار، وطوابير الضروريات والحاجيات والتحسينيات باستمرار.
فإذا صَحَتْ من نشوة التدافع، وجدت مشبوهات قضت ما يُسْتَفْتَى فيه.
يُجَهِّلُونهَا، ينومونها، يمتصون حرارتها في الملاعب، كامتصاص بكاء الصبي وعويله لتحويل اهتمامه.
نُزِعَتْ ثقة المستقبل منها، لا تلوي على عقل ولا فكر ولا علم ولا علماء، زُرِعَ فيها الأنا، واستؤصل منها الضمير الجمعي، ولُقِّنَتْ يأس (العين بصيرة واليد قصيرة)، و(تخطي راسي).
صرفوا شبابها عن دراسته وتعليمه، في تجهيل كدبيب النمل الهادىء.
عوض تذكيرها بواجبات الأوقات، وتثقيفها، وتعليمها، وترقية إنسانيتها، لضمان حضارة مبنية على العلم والفكر والوعي، تُحَوَّلُ وجهاتها نحو الحيرة.
المشرف من عَلٍ يبصر كرَّها نحو بطونها لا يلويها عنها روح إنسانية.
عرفوا نفسيتها، وإعاقة تفكيرها، ويسر ترويضها، وعجز ردها، فوضعوا لها الألجمة لتسلك طريقهم الوحيد، فتسرع لحتفها وشراكها المنصوبة.
يستنزفونها فَتَثَّاقل عن آدميتها للعاعات عوض رخصها بالترك.
انتبهوا إلى مستفزاتها فأثاروها، ومثبطاتها فحطموا آمالها، وأتوا مشبوهاتهم بها.
خَصَوْا عقولها ليقودوها كقيادة الفيل بالنملة، كما يُخْصِي بعض البدويين العجل لِيَثْخُنَ جسده ويُقْتَادَ ببلاهة.
تنشر الإشاعات قبل نهاية الحملات الانتخابية، بطريقة رهيبة، لتحويل أصواتها إقناعًا أووهما نحو مرشح السرداب، بوسواس خفيٍّ سارٍ، والعاقل يُبَرْمَجُ له عزوفٌ، لتوسيع الفسحة للمختار.
إنه الدهاء السياسي في مقابل البلادة بين قسمين:
1/طوعية: الكثير يستنكف عن وسائل وأساليب وفرص الوعي، قراءةً واستماعًا واستفادةً من التجارب الناجحة.
2/جبرية: ببرمجة العُلَبِ المُجَهِّلَةِ تشويشَ الوعي، خشية الإفلات منها، فلا نجد في العالم المتخلف من يبرمج مشاريع كبيرة لتقرأ الشعوب وتطالع وتستفيد من دورات تدريبية على الوعي السياسي وحسن الاختيار والاعتراض الناصح.
كلما حاوَلَتْ الوعي بمحيطها الواقعي والفكري والروحي والعقدي والعقلي، والتحرر من القيود، والوقوف على مسافة فوقية لترى الظواهر والأحداث على حقيقتها، لعلها تبصر غياهب السراديب والصناديق المقفلة ولو بضبابية، تتعرض إلى تشويه جديد مُحَدَّثٍ مُطَوَّرٍ، لإفساد الوعي بالوخز اللاواعي.
كان في الولايات المتحدة الأمريكية منظمة صحية مناهضة لاستعمال السكر، فهددت مصالح المتاجرين به، فقتلوا جميعا، كما كانت تتصرف الكنيسة قبل الثورات الأوربية العلمانية عليها.
الظاهرة تحتاج إلى دراسة نفسية واجتماعية لهذه الجماهير التي يُتَغَنَّى بها وقت الحاجة الاستخدامية، وإلى دراسة ميزان وعيها، والبحث عما يمدها بالطاقة الموقدة للوصول إلى عقول ناضجة تتسلق المعالي، لتحكم لها العلوم على حقيقة أووهم المسالك، وللتحرر من أصنام السياسة وأوثان التجارة، وأحجار الشطرنج المناورة.
والعهدة على الطبقة العلمية المثقفة، لرفع منسوب الوعي، إذ لا ينتظر في الأمم المتخلفة مبادرات من بارونات المصالح والاستغفال.
فجماهير منظومة الرشد المتكاملة، ليست كالمقولبة بمنظومة السفاهة.
وتجبر فرعون وهامان وقارون راسخ في أذهان المتدبرين، وليس بالضرورة محاكاة الإسقاط الميداني بشخصية موسى عليه السلام.
على السلط صيانة كرامة جماهيرها لأنها ستقف بعقلها ضد كل عدوان، أويؤتى من ثغرها الجاهل الغافل، فالحضارات تبنى بعقول راقية، لا بأفئدة مسلوبة، ويومها يعض ظالموها على أيديهم حين يَخِرُّ عليهم بنيانهم المظلم من فوقهم، ويغشاهم الضنك من حيث لا يشعرون.
Tags:
مجتمع
