التهلكة الحقيقية


قال تعالى:(وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)195/البقرة.
أُبعدت عبارة (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) عن تكييفها، بفهم سقيم، واعتبرت مبررةَ القعود، وترك المقاومة والمبادرة والعمل الصالح خشية هلاك النفس، استدلالا أعرج بالنص أعلاه.
إن فهم النصوص وألفاظها وعباراتها يتم في إطار السياق لا في إطار معزول.
(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) توسطت في القرآن الندب إلى النفقة، والإحسان، إشارة إلى نتيجة شح الإنفاق، فالأمر به ثم النهي عنها دليل ارتباطها به، والمعادلة الحسابية تساوي بين الأمان والإنفاق، في بلاغة ربانية عالية الدلالة على أمن الهلاك بالإنفاق، كمرتبة للإحسان وهو أقصى درجات العبادة.
يعلم أهل العلم بالأصول والمقاصد التشريعية أن الشريعة الإسلامية في كل أحكامها جاءت مراعية لمصالح الناس بجلب المنافع ودرء المفاسد، لذلك كل ما أمرت به، أونهت عنه محقق للقاعدة السالفة، ومخالفة أمره ونهيه جالب للتهلكة من هذا الباب.
ولقائل أن يسأل كيف يكون الإمساك عن الإنفاق مهلكة وهو يحفظ المال من الضياع؟
للإجابة على هذا التساؤل نحلل المسألة ودلالتها ونفحص الواقع والمآل المبين في النص القرآني لنجد مجالات التهلكة كثيرة، كنتيجة قرآنية حتمية منها:
1/إن الإمساك تكذيب بمصدريةٍ ربانيةٍ للمال، ضد قوله صلى الله عليه وسلم (والصدقة برهان)، رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري.
2/الإمساك اهتزاز الإيمان بأن المال مال الله، ومالكه مكلف بتسييره فقط، والنصوص التي نسبت المال إلى المالك مجرد تعبير مجازي ليحافظ عليه كما لو كان ملكه حقيقة.
3/البخل اهتراء اليقين بأن الرزق على الله، فأينما كان الإنسان تبعه رزقه، ولو في معزل جبلي، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال)، رواه مسلم عن أبي هريرة.
4/الشح عطب الإيمان بأن العوض على الله وبالأفضل، لقوله تعالى (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) سورة سبأ/39
5/التهلكة نتيجة تعَلُّم البخل والشح: لأن التدرج يربي الحسن والسيء، والمكتسب البخيل يأبى تحويل جهد عمله إلى غيره.
6/انتشار الحسد والغيرة والحقد بين صاحب المال ومستحقيه، وقرابته بالخصوص.
7/فقد درجة الصديقية، لأن الإنفاق أحسن ما يعوض نقص العبادات الأخرى وبقوة كبيرة، فهو نافع للنفس والغير، ووظيفة المال اجتماعية كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
8/الهبوط عن هرم العبادة وهو الإحسان، لأنه يُنَالُ بالنفقة مما يحب مالك المال.
9/فقد بركة المال، لأنه ابتلاء في يد المكلف به، فيقابله مالكه الحقيقي بالحرمان منها لعدم تكفله بالكلفة فيه.
10/الحرمان من دعاء المستحقين، وفرص التقرب إلى الله تعالى بالدعاء في الغيب، فلا يدري الإنسان ما يخفى له من قرة عين السائل.
11/الأنانية والجشع وعدم الشعور بالآخرين، وهي أمراض نفسية معنوية، لا تبرأ إلا بالتدرب على مجاهدة النفس بالإنفاق، وتعويدها عليه.
12/تعلم التعالي والاستكبار على المحتاجين، وليس كسابقته، لأن الإنفاق تواضع، وحرمان المستحقين تكبر.
13/هدر قيمة التعاون من النفس والمجتمع، فالكثير يحتاجونه، ومنعهم مهلكة بينية اجتماعية كبيرة.
14/الحرمان من ظل الله يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه وسلم (كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ)، رواه الإمام أحمد، عن عقبة بن عامر.
إن سوءَ كسبِ المال وإنفاقِه، وإمساكَه مهلكة فليعرف أحدنا كيف يحسن كسبه وإنفاقه.
هذه أهم مهالك الإمساك عن الإنفاق، دون إغفال مهالك أخرى لمعاصٍ خارجه، لبيان الطريقة الصحيحة للاستدلال، لئلا نسيء توظيف النصوص، فقد ابتلينا بجهالة عوام، تقابل علم علماء.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم