لعبة وعبرة


انهار نادي شباب بلوزداد، بطل الدوري الجزائري لثلاثة مواسم متوالية، ومرشح التتويج للموسم الرابع، بنتيجة ثقيلة أمام ممثل جنوب إفريقيا ماميلودي صان داونز في كأس رابطة أبطال إفريقيا، وبعد تقليب الهزيمة المهينة داخل الديار تبين أنها ليست نتيجة خلل في نظام اللعب أوالخطط أوالفنيات أوشخصية المدرب، وإنما في المنظومة الرياضية بكل جوانبها، اصطدمت بفريق جنوب إفريقي مؤطر بشريا وماليا وماديا وطبيا، يملكه مستثمر ضابط للمنظومة رياضيا واقتصاديا.
نقيس عليه تفوقات غيرنا في المجالات الأخرى دون ضجيج، فالقوم يعملون صامتين ومخططين بمستوى عالٍ.
عكس جهرنا دون تخطيط ولا نتائج، تصريحات مبالغ فيها تستجلب الرضى الاجتماعي والتشاركي لإخماد الغضب وصرف الأصوات المنبهة الناصحة، تغطية ظلام الليل بقنديل شمعي للتعمية عن السوءات السياسية والاقتصادية والصناعية والرياضية والثقافية والأخلاقية، ترفعنا إلى القمم الوهمية التي لا نتمنى اصطدامها بحقائق مناظرة، لأن السقوط في مباراة كروية أهون من السقوط الحيوي.
إن فجأة مذهلة لمجرد مباراة كهذه رغم التصريح بالاستعداد التام قبل الخيبة يوسع دائرة التوجس في كثير من قطاعات العالم المتخلف المتعود على إيهام شعوبه بنحن الأولون والآخرون والظاهرون والباطنون، فإذا اختبرتنا الأحداث داستنا الهزائم المذلة.
إن الشيء الوحيد الذي يُسِرُّهُ العالم المتخلف هو الهزيمة.
أما غيرها فأوهام تجعلنا في أهرام الصناعات والاقتصادات والديبلوماسيات والسياسات والثقافات والعلوم العالمية.
أكبر مصنع، وأعظم مسرح، وأقوى فلاحة، وأطول شبكة طرقات، وأرقى شبكة أنترنت، وأحسن سياحة، وهكذا، فإذا امتحنتنا الظروف عرَّتنا أمام غيرنا.
عقد الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله ندوة صحفية في قاعة كبيرة كشف عن تطوير صاروخيِّ جلب به تهمة سلاح الدمار الشامل.
وكتمان إبادة أمريكا للجنود العراقيين في المطار ماثل للتاريخ.
لم يكن الرئيس الدكتور محمد مرسي رحمه الله استثناء من الحالات المؤسفة، لأن أخطر ما قلب عليه طاولة الحكم تصريحاته المتكررة حول ضرورة استقلال مصر بسلاحها وغذائها ودوائها، وهو لم يُؤَمِّنْ محيط سلطته من عملاء الاستعمار بعدُ.
أُصِبْنَا بداء بعض الشعراء الهائمين في كل واد، ويقولون ما لا يفعلون، ممن لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات ولم ينتصروا من بعد ما ظلموا.
والذين كفروا والسائرون في فلكهم، كل شيء في السر وبدون مزايدات وافتخارات، حتى إذا أيقظتنا سباتاتنا وجدناهم في سبق سحيق.
دولة إيران الفارسية اتسمت بذكاء كبير في التعامل مع الملف النووي مستغلة انشغال الغرب بالعراق في التسلل إلى حضيرة النوويين.
والفئات المافياوية في أغلب البلاد المتخلفة والمتكونة عموما من طوائف منسجمة تتسلل بالتدريج المكتوم حتى إذا استيقظ المبالغون والمجاهرون بالغلبة من الأدبيات المجردة عن التفعيل وجدوها أحكمت قبضتها على مفاصل تلك الدول وسيطرت على حيوياتها وأخضعت الشعوب للابتزاز الاقتصادي تفرض به المرادات السياسية والثقافية والعرقية والجغرافية وغيرها.
إن هذه الغفلة في رأيي من أسباب اندلاع الاحتراب الأخوي السوداني، إذ أخطأ الجيش بالإصرار علنا على حَلِّ قوات الدعم السريع عوض التدرج السري المخطط المؤدي إلى توحيده بانسياب ذكي.
ففتحت الجبهة للتدخل الأجنبي بداعي الوساطات والمساعدات الإنسانية.
هذه العثرات المنتظرة عند العاقلين، والمفاجئة للمفتخرين تبين ترهل منظوماتنا المختلفة، دون عزم على تحمل مسؤولية التقييم والإصلاح والتطوير، وقلب الأوضاع على الجهل والفقر والضعف.
على كل السلط في البلاد الإسلامية عموما والمتخلفة خصوصا ارتداء كساء الإخلاص مع شعوبها، والصدق مع جغرافيتها، تستهدف تحريرها من التبعيات الكثيرة بتخطيط منظم دون بهرجة ولا جعجعة خاوية، ننوم به الغير المستحكم، حتى إذا استيقظ وجدنا في منعة من توهيننا إلى الأبد.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم