ثقافة الأزمة


بعد هزيمة المسلمين في غزوة أحد، بلغهم في طريق العودة إلى المدينة عزم أبي سفيان على قتالهم من جديد، فلم يقعدهم إنهاكها، بل أعادت إليهم همتهم المرصوصة بتربية نبوية إيمانَهم وتوكلوا على الله إلى بدر الصغرى لقتال جديد، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين، ولم يمسسهم سوء بنعمة من الله.
إنها ثقافة هِمَّةِ نفض الأزمة.
لقد ألقى المسلمون الهزيمة وراء ظهورهم، ولم تصبح ديدنهم اليومي يصبحون بها ويمسون، ولا رفعوها إلى درجة التأثير على حاضرهم ومستقبلهم.
دمَّر الأمريكان دولة الفيتنام من 1955م إلى 1975م، لكنها قامت من جديد، وتوحَّد شطراها الشمالي والجنوبي عاما واحدا فقط بعد الجلاء، وشمخ عمرانها، ولم تَخُرْ بهوان الحرب.
ودمَّر الزلزال مدينة اسكوبية في جمهورية مقدونيا من يوغوسلافيا سنة 1963م، لكن لم يؤرقها هاجسه، وأعمرت بسرعة من جديد.
واليابان المتعودة عليه لم تستسلم معنويا ولا فكريا لماضيه ولا لمستقبله المؤكد، ولا حُرِمَ شَعْبُها من حاجاته، بالحلول العلمية والتطبيقية للقضاء على مفعول وقوعه المقطوع.
أما المصريون فكادوا يصابون بالجنون في تعاملهم مع نكبتي 1967م و1973م، فتولدت ثقافة النكسة، وأصبح يرددها حتى الإداري في تبريره لمغلوب يطلب وثيقة.
لكنهم تعلموا منها، فاستنهضهم عزمهم نحو اجتهادات سريعة لرفع منسوب القراءة باستحداث طرق وآليات استرجاعها.
بينما تبقى سوريا متألمة لحطامها وأطلالها، منتظرة هِبَاتِ الآخرين، وابتزاز الشركات الغربية بعمالة داخلية.
ونحن نتجه نحو ارتداء لبوس ثقافة الجفاف، وفسح المجال أمام غزو تاريخي لخزانات الماء، في تجاذب بين البيوت ووكالات التوزيع، عوض المسارعة إلى تحلية مياه البحار، واستخراج المياه الجوفية المؤجل إلى قيام الساعة لتخرج بنفسها دون استفادة.
سألت تاجرا عن ارتفاع الأسعار، فلم يتردد في التبرير بالجفاف الذي سيصبح مجلبة كسل الناس.
لم تتعود الأمم المتخلفة على المناعة ضد الأعراض الحادثة، ولا على تجاوزها ومقاومة توابعها الفتاكة المتسللة إلى مجالات حيوية فنخرتها ولهجت ألسنة مُسْتَلَبِيهَا تحججا بها وتبريرا.
إن الانزواء وراء الأزمات البشرية والطبيعية مبرر واهٍ للاخفاقات والتسيبات، ومؤذن بالتواكل المذموم، ومثنٍ للعزائم، وقاتل لروح المبادرات والجهود، ومسقط لقيمة العمل، رائق للمصطادين في الماء العكر، مؤجل للإصلاح والصرامة في العدل والحكم، آيل إلى خراب الديار والعمران، وانقراض العباد، وأفول البلاد.
مدربون أنساهم الانطواء وراء الانهزامات وجود لاعبين في الرديف أفضل مما في الأكابر.
كثير من الأوقات أهدرت، ومن المشاريع أجلت، ومن المنافع فوتت، ومن الشعوب جاعت، ومن السبل ضاقت، بالخلسة خلف الأزمات.
إن سوء التعامل معها، وإكبار صدماتها، وإعظام خطرها، والاستسلام لسقطاتها، والقعود عن النهوض من كبواتها، وهن أخطر من حب الدنيا وكراهية الموت.
ثقافة الأزمة تعيق تحديها، وتورث اليأس من المستقبل وإمكان النهضة، وتدمِّر الأمة وشعوبها، وتشجع المتسللين على الانفلات من القانون، بالتحرر من كل ضابط سلوكي وأخلاقي، وتعمق هوة التفكير السلبي لأذهان تعجز عن العودة من جديد.
لابد أن تهبَّ معالي التحدي بالانخناء للعاصفة الذي يسمح بالنهوض بعدها، دون الانبطاح المميت.
يفترض أن تُعَلِّمَ النكبات التَمَرُّنَ على الإيجابية الباحثة دوما على الحلول العاجلة المزيلة للإشكالات المفاجئة، وتُعَلِّمَ الاغتراف من الخزان الفكري والمادي، والاجتهاد الاحتياطي، والحاجة أم الاختراع.
من الإيمان الرضى بالمقضيات والأقدار المؤلمة، لكن الله لم يكتب لها دوام توهين العقول عن تحويلها إلى أقدار سارة.
على السلط التعود على التكيف مع الأزمات، والانتقال من الكبوة بين ركبها إلى تحديها بمختلف الأساليب والوسائل، لتجنب السقوط بها.
والبروز كقدوة لشعوبها في الانقلاب على زواجر الدهر وبالسرعة القصوى، كي لا تتعلم منها ثقافة الركون للأزمة. 
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم