الإحسان بنظرة جديدة.


جاء في حديث جبريل عليه السلام سؤالُه للنبي صلى الله عليه وسلم قالَ: ما الإحْسَانُ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ. رواه عن أبي هريرة البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
يتناول بعض علمائنا الأفاضل الإحسان بشكل لا يدفع نحو تفعيل نتائجه واقعيا، ربما لأن بعضهم يبث كلامه لأقران مستواه، دون مزيد توضيح، لكن الأمر يتعلق بمن دونهم، فوجب تعميق البيان للعقل والوجدان.
الإحسان لغةً بمعنى الإتقان والإحكام، وأداء العمل مع رقابة الغير أوالنفس.
واصطلاحا، يكتفى بالتعريف النبوي (أن تعبد الله كأنك تراه)، فالمسألة تتعلق بإقدام المؤمن نحو ربه.
إن فاقد القوة الضمائرية يتقن عمله ويحكمه برقابة المسؤول، وإذا غاب عاد إلى طبيعة التهاون، وإذا امتلكها أجاده دون رقابة.
كثير من التفسيرات تركز على عبارة(فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهو تحصيلٌ عند أدنى درجات الإيمان بتفاوت في اليقين والظن والشك.
والذي ينبغي التركيز عليه في الأعمال والإرشاد إلى الإخلاص فيها وإتقانها هو الشطر الأول(كأنك تراه) أي كأنك تراه يراقبك، وهذا يحتاج تعلقًا روحيًا بالله، يبلغ به رؤيةَ البصيرة، وبعدها نرشد إلى يقين رقابته تعالى على الأعمال.
(كأنك تراه) حقيقته العين الباصرة، ومجازه الرؤية البصائرية، فهي رؤية يقينية وليست بالظن والتخمين، وهي حال وقوع العبادة تامة.
إن متعلقات الإحسان كل الأعمال المشروعة، لا كما يصور بعض المُدَرِّسين والكاتبين(أن تعبد الله) بحصر تلقي السامعين والقارئين في شعائر مُعْلِمَةِ عن التدين، وبتفريق بينها وبين الميدانيات، وكأن لا علاقة لها بالعبادة.
فدخلت مفاهيم مهزوزة للإحسان، وإهماله كقيمة تبرهن عليها السلوكات المندرجة تحتها.
إن الله عندما ذكر المحسنين عني بهم المتقنين الرائين رقابة الله عليهم، الباذلين المهج والأموال.
كقوله تعالى (وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا/النساء/128)، ومتعلقه الصبر على النزاع والبذل للصلح.
إن نصوص الشرع لا تذكر الإحسان للتلقي أوالتقديم الضمائري المرتخي، ولا مصطلحاته في غير النصوص بتلك السلوكيات الإضافية التي لا حاجة بها، لأنها تتعاضد التفسير، فوجب فهم المسألة بجمعها.
يطلق الناس على المتبرع لقب المحسن، وربما لم يقصده ولم يبلغ رتبته إيمانًا وضميرًا، ولا أنفق مما يحب، وهذا خطأ في المفاهيم، مع تفاوت القدرات البدنية والمالية والنفسية.
إن الإحسان هو قمة هرم العبادة الشاملة، من رقاه تربع على مراتب الناظرين إلى الحقيقة الربانية بالبصيرة والإيمان والروح والمعنويات مع فرح بالله ووجل منه، وليس درجة عبادية أخرى.
إنه يعني بذل قصارى الجهود والتقوى والصبر وليس الوسع الضعيف، والوقت المتبقي، والمال الميت، و ليس العامل بالحرارة والحرص، كما تقرره نصوص القرآن، كالعامل بالبرودة والإهمال، رغم أننا لا نستصحب هنا معنى التمام لغةً، لأن الإنسان ليس كاملا لينجو أداؤه من النقص، إنما نكتفي بالإتقان.
ويعني الورع بترك ما يريب إلى ما لا يريب، حتى في المباحات.
واستحضرته النصوص في قضية الوالدين التي تتطلب الصبر والدوام لا دونهما.
إن التلفظ به ينبغي أن يحمل معنى الرغبة والعزم والحزم والشد، وغيره لا علاقة لها به.
والقاعدة المستنبطة تقتضي (الرؤية تعني الرقابة المستلزمة للإحسان، وانعدامه يقتضي عدم اليقين بالرؤية والرقابة).
الصوفية أفهم للإحسان، لكنهم يقتصرون على الطقوس الشعائرية دون الواقعية، تاركينها لغير المسلمين فهما وأداءً.
إننا مدعوون إلى تحرير العقل وتوسيع مناطق فهمه للنصوص تفعيلا لا تعطيلا، وإلى نظرات تحفظ الصورة الحقيقية الجميلة للنصوص، وإلى بسطها بما يجليها.
إن لم نعطِ للإحسان كُلَّنَا لم يُعْطِنَا بعضه، فلنحسن بيانه.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم