الغزو الفكري الداخلي.


يتحدث علماؤنا ومفكرونا الأفاضل غالبا عن الغزو الفكري الخارجي الوافد، ومظاهره الجزئية، ويتركون أويهملون الغزو الفكري الداخلي، عمدا، أوتأجيلا، أوغفلة، وهو الأخطر، لأنه منوم مخدر.
ومنهم المستشهد بحديث (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ)، في خطأ استدلالي، لأنه دال بوضوح على التقليد الأعمى لا على الغزو الفكري.
الخطب والمؤلفات تعج بالتحذير من الغزو وخطره، ومنها قول فيكتور هيغو: (بالإمكان مقاومة غزو الجيش، لكن ليس بالإمكان مقاومة غزو الأفكار).
لكنها تُضَيِّقُ على العقل مجال الغزو، وتغلق دونه الآفاق الواسعة في التفكير.
يتفنن بعض الفقهاء، والحريصون على الشخصية القيمية، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر في التحذير من مظاهر جزئية شوارعية منزلية، ويتناسون التعريج على أغوار القيم الغازية التي تنحرف بها الهوية المغزوة باطنيا لا ظاهريًا.
تماما كانحرافهم عن الحاكمية الشرعية إلى منوعات تفصيلية، سواء في العادات، أوالهيئات الحزبية والمجتمعية، أوالفقه، أوالعقيدة، أوالتوجه الاجتماعي الهوياتي العام.
إن الغزو الفكري الخارجي عمره قصير لافتضاح مفاسده، دون الغزو الفكري الداخلي، لأنه كحركة النفاق المستهدفة تخريب المجتمع الإسلامي داخليا بالأفكار الغازية العدوانية المهاجمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين بالخصوص، لولا قوة المناعة.
والغزو الفكري الداخلي يأتي ضحاياه من مأمنهم، فمنه صادرات فكرية غير واردة.
صِيغَتْ به دساتير حرَّفتْ القيم الداخلية عمدا، أوغفلة، أوحرجا نفسيا، أوادعاءات مختلفة، أوإملاءات مكرهة، أوغيرها من المبررات، وأُلِّفت بمخرجاته كتب مدرسية مُوَجَّهَةٌ.
وتم الإغراق بأوهام خرافية، وادعاءات الأصالة والخارجية، والوطنية والأجانبية، باستغباء داخلي عجيب، لُقِّنَتْ بها الأساطير.
إن المجتمع المتغازي يتآكل داخليا، ليدمِّرَ نفسه تمهيدا لاستخلافه بقبضة متربص ذكي،، على شاكلة قوله تعالى(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُومِنِينَ)/الحشر.
من وسائل وأساليب الغزو الفكري الداخلي:
الجهل بالتاريخ،، والقذف النفسي،، ومصالح عاجلة لمُسْنِدِينَ أومتراخين من السلطة والنخبة،، وكثرة الكذب في الواقعة الواحدة للتصديق، والتدريب الذهني على الاعتياد،، وتنصيب معالمه وطمس غيرها، والإعلام الموالي للفكر الغازي، خاصة إذا أسندته قوة مالية أومادية، أوسلطوية، أوعشائرية، أوجهوية، أوعرقية، أوزعاماتية، بالصوت والصورة الثابتة والمتحركة والرموز المُطبِّعَةِ للفكرة الغازية، بإطفاء حرارة وجذوة دحضها،، ومواقع التواصل التي تعج به، وبمقاوميه المصححين،، وتمريره بين العوام والتحاشي النخبي، لأن الفكرة إذا تواترت صعب انتشالها.
مدار بعض ما سبق على مغنطة العقل وتحييد دوره، باستغفال خِبِّيٍّ.
وللمال الدور الفعال في مسرحية الغزو الفكري الداخلي تفعيلا وإرشاءً.
بعد نجاح الغزو يُسْحَبُ من المتوانين إطار الاعتبار والاحترام القبلي الموهوم، ليملكوا وثائق إقامة فقط.
على السلطة الكفُّ عن تهوين تصحيح المفاهيم والحقائق وأرقامها وأحداثها، وإلا فسيسحبها عزل ناعم هادئ متسلق ماكر.
على النخب الأصيلة المخلصة الخروج من الأنا الذاتي وبرودة الأعصاب المهملة ولوثة (ليس واجبي)، وإلا فستكون خارج حرية التفكير والرأي والطرح، وستتعرض لمسخ انتمائي، باستبداد ينتجه الغزو الفكري الداخلي بتدرج صبور، لكنه مستمر الفعالية كالريح الدافئة، والنوء المتقاطر، يحطم بالتقادم ما يحطمه المطر القوي.
فعليها المبادرةَ إلى عقد الملتقيات والندوات لمناقشة المسائل موضوع الغزو، وتصحيح المفاهيم بالحجج العلمية والتاريخية، وإغراق العامة بها.
والتركيز على معاقل الغزاة لتقليص انتشار فكرهم، ودحض أخطائهم، وإيقاظ الحقائق، وقلب اتجاه التواتر العامي.
والكف عن السير المتوجس على الحواف، لتحرير العقل فيتحسس مكامن الحقائق لإجلائها، والأوهام لدفنها.
وحقن الضمير المجتمعي بالمناعة العقدية، وتحصين عائلي مدرسي مسجدي.
لأن الغزو الفكري الداخلي يتخذ كل الوسائل والأساليب والأسلحة القوية للاستحواذ على المستهدفات، والحفاظ على المكتسبات، ما لا يُعِدُّهُ الضحية بغفلة ساذجة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم