علاج الإنصاف لداء الإجحاف


حضرت مناسبات وندوات ومحاضرات ودروسًا وخطبًا، وتعلمت ممن سبقني أخلاق المداخلات، وأساليب الملاحظات، وإنصاف الانتقادات، والثناء على المجهود، وتمنيات التوفيق المستقبلي، والتماس مكامن الصواب، لوضع المعني في فسحة نفسية، تعين معنوياته وأخلاقه على استقبال النقد.
أشرفنا والمفتشين على امتحانات الترسيم، وبعد التطبيقات في القاعات، نكشف بالمناقشات عن الجوانب المشجعة، التفاتا إلى الجميل ولو قلَّ، توجيهات يستفاد منها، على شاكلة ما أبيض أسنانه.
إن الإنصاف من الأخلاق الراقية، والقوة الروحية، لأنه يصرع النفس قبل صرع الغير مخالفا كان أوموافقا، عرفانًا لروائعه ولو خالف في العقيدة، كما يُثْنَي على شهامات العرب مع كفر بعضهم.
إنه يفيد من منافع الغير ولو كانت قليلة، كالنحلة تمتص الرحيق ولو من النبات المرّ، أوالحنطة السوداء.
فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن مصير عبدالله بن جدعان لكرمه، فقال إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، إشارة إلى عرفان ضمني بجميل كرمه الذي لم ينفعه مع الكفر.
ربما يعمل معك الموظف الذي تخالفه، لكن لا يمنعك خلافكما من ذكر مناقبه الحقيقية، أوتمكنه في مجاله.
ولقد ألف علماؤنا رحمهم الله ورضي عنهم كتبًا أسموها: الإنصاف في أسباب الاختلاف.
لقد حكمت به الشريعة لصالح كل إنسان بما في ذلك المخالف في العقيدة والتوجه والمنهج.
ودليله قوله تعالى:وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى/08/المائدة.
وندب إلى إنصاف المرأة ولو بالنشوز، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)/19/النساء.
أرى بعض الإجحاف راجعًا إلى الهوى، والجهل بفضائل الأخلاق والسلوكات والمكانات، والتنافس الذي يكبح الاعتراف بالآخر إضعافا لموقعه، والخصومة التي تعمي البصائر، والتناظر السياسي، والعلمي، خاصة المتجاهرين بالنقد، والعرقية كلوثة جاهلية تلوي عنق الملطخ بها، والحسد والغيرة، والاختلاف الأيديولوجي، بين معتدلين ومتطرفين، يغمط كل فريق غيره لتبرير انتقاصه.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
إن الإجحاف حرمان من نفع الغير، كمنع البعض نفوسَهم علوما كثيرة، لأنهم تلقفوا تجريحا ظالمًا، في بعض أهل العلم والسياسة والمهن.
فالخصومة لا تبرر التجريح الكامل، والصداقة لا تبرر التعديل الكامل.
إنه غلق هوامش التراجع حين ظهور عكس الحكم المسلط، ومرض نفسي يهوي إلى الداء الروحي، وفساد القلب.
يلجىء إلى لَيِّ النصوص، وأدلة الاجتهاد بالتأويلات الفاسدة، والأجوبة النادرة، على غير الحق والصواب، كما جاء عن الإمام العِزِّ بن عبدالسلام.
انحراف الإجحاف ولو قليلاً ينحدر عن الإنسانية، ويصدم بالواقع غير المثالي الملائكي.
الوقوع فيه، بالتجاوز من التجريح المشروع إلى التنابز الممنوع، رفضُ عدلِ الله، الذي قد يعافي منه الشانئ ويبتلي به النابز.
وليختبر المجحِفُ نفسه في موضع المُجْحَفِ ليبلوَ موقفه من غمط حسناته ولو قلت.
غيرنا يحسن الإِكْبَارَ، ونحن نتقنُ الاستصغار، لاستثناء قد لا يفهم توليده ومقصده، فَسَادُوا، وسفلنا.
إن علاج العلة المعطلة لتوارث الحق والصواب والجمال، يبدأ بتصحيح بصيرة النفس، والتمرن الروحي، ومعاكسة الهوى، وتعلم حقيقة الدنيا حتى لا نتنافس عليها فتهلكنا كما أهلكت من قبلنا، والنأي عن خصومات الجاهلية المتعصبة للعرق والذات.
وتحرير العقل بتقليب النظر والمنظور، وعدم إغلاقه في وجه ما لا يروق ظاهره، لعل العين صُدَّتْ برؤية المعايب عن المناقب.
والكف عن النظرة النسخية النمطية، والالتفات المعاكس لقياس الحكم المخالف.
والهدوء النفسي والكتابي والشفهي لإثراء المنافع والمفاسد موضوع الحوار.
وإذا اضطررنا فلننظر إلى ميزان الاعتدال بين الحسنات والسيئات، رجاء رجحان المنافع على المفاسد.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم