تابعت كلمة افتتاح مؤتمر حركة مجتمع السلم (حمس)، المنعقد أيام 16و17و18 مارس 2023م الموافق لـ 24و25و26 شعبان 1444هـ، بقصر المعارض في العاصمة، كان للرئيس الدكتور عبدالرزاق مقري خطاب رجل دولة، أتقن فنه، وتصميمه، ينتقل من فكرة إلى أخرى، بسلاسة، وتحليل معمقٍ، دام ساعةً واثنتي عشرة دقيقة، المعاني الوطنية فيه أكثر من الحزبية، يدل على أنه تنظيم ولاَّد، لا يقل رجاله كفاءةً عن رجال السلطة، حلَّلَ الجوانب السياسية والخارجية، كالصراع العالمي القطبي بشكل عجيب، والوضع بين أمريكا وروسيا والصين، ومختلف التحالفات القديمة والجديدة وأهدافها، والحرب الأوكرانية، ثم طرح الخيارات الاقتصادية للخروج بالبلاد إلى العيش الكريم.
استشراف يلمس متمعنه أهلية التنظيم في التسيير الوطني بكفاءة عالية، ويشعر بتقصير السلطة في الاستفادة من إطاراته، قد نندم حين تكبر الأعمار لعدم الإفادة من أفكارهم وبرامجهم.
تنظيم يبقى أمل التيار الإسلامي، كممثل معتدل، ناظر إلى الآفاق برؤية ثاقبة، يتسلق قيادة الشعب الجزائري بخطوات مدروسة مرنة، متريثة، فقيهة الواقع، متعاملة معه بذكاء مشروع، متفكرا متدبرا من التجارب المحلية والعالمية، في المواقف من الأحداث المختلفة، بمرجعية أصلية ورافدية دون مناورات، للمواكبة الفكرية والعلمية في البناء الداخلي، والتعامل الواقعي، والاحتكاك الخارجي.
لم يتهشم بمقتل خمسمئة مناضل أثناء محرقة التسعينيات، لمتانة منظومته الداخلية في عموم الجوانب.
طالته انتقادات لمواقفه من الأحداث الوطنية، أوافق منها وأخالف، فلم يشتغل بالتبرير الخارجي، مع تحصين داخلي وقاه هزات مدمرة لو أصابت غيره لحطمته.
بسط انضباطًا نضاليًا، بين جيل يتوقد حرارة لخدمة وطنه بالرؤية الإسلامية الإيمانية الواعية، في انسجام فكري ونفسي واضح، كلٌّ يعرف دوره، استعصى على التشرذم، واحتوى المنشقين بسرعة.
سألت أحدهم في مقتبل الفتوة عن تربص قرآني، فتواضع مانحا الإجابة لرئيس التربص.
يلد الشباب الناضج باستمرار، بالإمداد الرافدي، والتكوين الفكري، والتربية الروحية العقدية، قاد نخبةٌ منه تنظيم المؤتمر بإحكام وتشريفات راقية المستوى، فليس سهلاً الإشراف الأمني على استضافة قيادات فلسطينية مطلوبة من الاحتلال، وفيهم الأستاذ البطل إسماعيل هنية وصحبه، المرابطين على ثغور فلسطين عامة وغزة خاصة.
شباب ليسوا استقطابَ اليوم، بل هم في تقديري وبما أرى في علاقاتي الرائعة مع أفاضلهم نتاج احتضان متواصل متواكب، ومجهودات جيل الترجيح علامة مميزة.
لو منحوا المساهمة في الساحة الوطنية لاحتووا الشباب الجزائري، واقتلعوه من جرائم المخدرات والتخلف والجهل، ولَرَبَّوْهُ متعلمًا مثقفًا متحدِّيًا الصعاب.
لا يضيعون الأوقات بالرد على الاتهامات والاستهانات، بل يسيرون بصمت في الإطار المرسوم، يعلمون عسره نحو الغايات المستهدفة.
حتى شاخ الرجال في هذا التنظيم صابرين على أمزجة المناوئين الخصوم والأصدقاء.
تنظيم فرض التداول على القيادة وبالانتخابات الحرة النزيهة، ليتربى المناضلون على الإذعان للمؤسسات لا للأشخاص.
رئيس عشر سنوات في مقام الدكتور الناضج فكريا وسياسيا يودع قمرة القيادة، ويزكي مع الحاضرين المنتخب الجديد الأستاذ عبدالعالي حساني، في بهجة، ويعاهد الله أمام الجميع على الوفاء من موقعه، ما وجدنا عكسه تماما في أحزاب من التيار نفسه، حرصا على الصلاحيات، واستفرادا بها، واستحواذا عليها، وتخليدا في منصب الرئاسة لشخص واحد، وليكن بعده الطوفان، فغرق وأغرق.
لا أبالغ إن نصحتُ بالحفاظ على هذا التنظيم، ولو بالنصرة، وتكثير السواد لتمرير مشاريعه الحاملة أمل الشعب في التحرر من التبعية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
أتمنى أن يكون خَلَفُ الدكتور عبدالرزاق مقري في مستوى التحديات الداخلية والخارجية، الاجتماعية والحزبية والحركية، ليضيف لنا نموذجا آخر في الحفاظ على الخط السياسي والحركي المختار، ونقل التجربة الحزبية الناجحة إلى دواليب تسيير السلطة.
Tags:
رؤية شخصية
