النزاع البشري والاستيلاء بالكثرة والقلة والدهاء والمال أزليٌّ، فقد ارتقى البرامكة، في قلة إلى هرم الخلافة العباسية، ثم القرامطة، وحزب الله اللبناني بقلته جاثم بقوة السلاح، واللوبيات بقلتها متحكمة في زمام القرار الأمريكي، ما يضيق فسحة التعايش، لعقدة النقص، ووهم المظلومية، المؤديين إلى ارتجاجات نفسية، باتهام الناقد بالعنصرية، مع رفضه حين التعاكس.
ولا نذكر أصل كل مُكَوِّنٍ جزائري عربي أويمني أوغربي، والسابق من اللاحق، ولا عملاء فرنسا، ممن فتحوا لها مضايق الدخول بجيوش شعبية متطوعة لتوفير جهود الاحتلال، لأنه محرج غير منشرح، وجنسيتنا واحدة على أرض ينبغي الإخلاص لها.
فإن أسباب ما يجري الآن في رأيي متعلقة بجوانب متعددة.
1/ غبش الأصل الجزائري للبعض، أزاح من الضمير الذهني الحرص على التعايش بَلْهَ البلاد.
2/لا يخفى على أحد توعد المجرم ديغول بترك متفرنسين أكثر من الفرنسيين، فالعلاقة بها فعل خطير في نفوسهم، لأن العودة إلى الحضن ممتنع اجتماعيا، فلا يبقى إلا المضي أماما.
3/السلطة مُغْرٍ عميقٌ منذ الاستقلال، بترك الحبل على الغارب مقابل ضمانها، أومفاصلها، وهو ما يحدث للسياسيين اللبنانيين مع ميليشيات حزب الله، لكن سَيُعَضُّ عل أنامل الندم بالتقادم، لمظاهر كثيرة يراها واسع الأفق تشاؤما أوتفاؤلا.
4/إخفاء التاريخ له وقعه على تدحرج الأحداث، تتحمله السلطة منذ الاستقلال بالسكوت على روايات الباطل وخرافات الشعوذة والدجل الغوغائي، والاستهانة بالتزييف، وعدم إشراف مباشر على عمل تحقيقي تاريخي علمي عميق تلزمنا نتائجه اليقينية بعد استفراغ الجهود لتأسيس تعايش على قواعده.
ويتحمل علماء التاريخ من كل المكونات تبعات عدم افتكاكه من الدهماء والمتآمرين والمسَمِّمِين لتقطيع أوصال التعايش الاجتماعي الوطني.
5/إهمال الاحتكام إلى الإسلام عقيدة وشريعة فرَّق شمل التعايش، بعد الوعد بهما حين كان يُلاحق العدوُّ المحتل، وتتحمل الحركة الإسلامية مسؤولية افتكاك المبادرة من جحافل الصحوة الإسلامية، بحجة الاستقواء بالتنظيم، فلا تنظيم قوي ولا صحوة حققت أهدافها الشريفة، بل فشل التنظيم وأفشل، ولو انتشر العمل الدعوي العقدي من نهاية السبعينيات بشمولية، لقطعنا دابر المتلاعبين بمصير التعايش الوطني في باكورة التآمر.
6/بعد ما سمي بالربيع البربري 1980م، قرأت مقالا وجيها في صفحة لمجلة عربية كان صاحبه منصفا إلى حد بعيد، يرجع فيه بعض أسبابه إلى استفزازٍ يقدِّسُ القومية العربية على حساب الغير منذ الاستقلال، عوض تحكيم الإسلام الجامع المانع ، وإن صحَّ هذا التسبب فهو حق لا مناص من استنكاره، وقد تربينا في مساجد الصحوة الإسلامية مع إخوان لنا من القبايل وغيرهم، رأينا القوميات تمزيقًا لجسد الأمة، ومانعًا للتعايش بعنصرية جاهلية منتنة، وما لا ينكره عاقل منصف أن الدعوة الإسلامية لو مُنِحَتْ حرية الانتشار والفعل الميداني آنذاك بتوجيه من العلماء، لَحَسُنَ حال البلاد عما نرى، ولا يُعَارَضَنَّ هذا الطرح بسياقات ينكرها العاقلون، لأنها استخدمت نخرًا للصحوة.
في هذا المآل السيء يُطِلُّ مشروع الطوبونيم ليزيد الهوة سحقا وعمقا داخل التعايش الوطني.
يتحَمَّلُ مسؤولية النتائج كلُّ من ذكرت، شخصياتٍ وأسبابًا في تَسلل فئة فَجَّرَت التعايش أكثر من أي وقت، لأن الشعور بالمظلومية سيغير موقعه نحو الأغلبية بتدوير غيرِ متناهٍ، لمعالجة اللوبيات الخطأ بالخطأ.
إن التدافع البشري سخره الله للتعاون وقضاء حاجات الخلق المتعايش، لكنه في تقديري أصبح بين متشاحنين على قدر كبير من الوسائل السيئة القاصمة لظهر الأمة.
إني مُنْذِرٌ خطرًا أراه داهمًا.
Tags:
مجتمع
