الخطاب المسجدي بين الدنيا والآخرة

بعض المساجد يُزَهِد في دنيا خُلقت ليمتطيها الصالحون نحو الآخرة، بِرَهْبَنةٍ كَنَسِيَّة، ومفاهيم مغلوطة عن دنيوية الأعمال، وَكَأَنَّ مُسَخِرَهَا للآخرة يُحْرَمُ الجنة، تنازلًا بالدنيا لغير المسلم، خلافًا لسنن الله في التمكين، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}النور/55، الإيمان، والاستخلاف، والتمكين، والأمن، بوعد واحد، وعبادة دون شرك، وخلافُه فسوق وخُلْفٌ عن الله، فالتمكين فيها بالإيمان طريقٌ للآخرة.
الإعراض عن الاستخلاف الرباني خشية السلطان الشيطاني، مفهوم مغشوش للإيمان، وإرشاد استعماري أضعفَ الروحانيات، واختَطَف آليات الدنيا.
لكل عمل محراب، للدرس المسجدي، للصناعة، للطب، للتجارة، وغيرها، بين المصلي والطبيب والصناعي والتجاري إيمان واحد.
{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ10}فاطر، فالذكر وقراءة القرآن والنوافل كَلِمٌ طيب، لكن العمل الصالح يرفعه إلى الله داخل المسجد وخارجه، ليقودا نحو الآخرة بتلازمهما، بالمفاهيم الصحيحة لابتغاء الآخرة وسُبُلِها.
فلا مطية إلى الآخرة بِتَرَجُّل السائر عن صهوة الدنيا ليركبها الماجن.
عندما نرى وجها شاحبا تأثَّر بدرس يُزَهِدُ في الدنيا للآخرة، فيندم على كسبها، بتوبة وهمية، عوض إصلاح تناولها، فسببه تأثير إمامي خاطئ، يُقَتِمُ أوصاف ملذاتها دون تقييد.
الخطاب المسجدي أشمل لو توجّه للجميع، وليس لمتقاعدين يرتادون المسجد قبل الفجر إلى العشاء، فالشعائر والأذكار والأدعية بطّاريات لكل مجالات الدنيا، وليست للمتنازلين عنها.
بالمقابل خطابات مهنية قاصرة على مجالاتها، أصحابها لم يُشْبَعُوا داخل المساجد بما يسوقهم بإيمان فياض إلى مؤسساتهم، فحسبوا الأعمال والمهن تمخر بدون وقود روحي.
ليجد الخطاب المسجدي نفسه متوازيًا مع اللائكية الفاصلة بين الدين والحياة، ويصبح حجة للداعين إلى علمانية عاقَّة للإيمان، وهي تُلَقَّنُ مفهوما خاطئا عن علاقته بالدنيا، فأخرجهم من دائرة خواص المؤمنين، ولو رددوا الأذكار في مختبراتهم، والشيطان بالمرصاد للنفسيات والمعنويات المرتجفة.
ننبهر بطلبة ونابغين جامعيين يحفظون القرآن، لغياب طبيعيته وأصليته عن أذهاننا، إلا من باب السرور بعودة الشباب المسلم إلى وعي متجدد حول أثر الدين في الدنيا.
لو دعي الشاب إلى التفوق الدنيوي لِنَصْرِ دينه بالتعليم، بصناعة الدواء والغذاء والسلاح، بالتجارة، بالثقافة، وبغيرها، لانصرف عن التفاهات بمكانة الدنيا الصالحة، فهي دار عبادة لا غرور.
خطابات دينية زهَّدت المسلمين في الجهاد، فسلموا بلدانهم ردحا زمنيا مُهينًا، كالقاديانية الهندية، والطرقية الجزائرية، والمدخلية المعاصرة، لتتمرد على الدين كالكفار والعملاء، بمغالطة الزهد في الدنيا الصالحة.
الاكتفاء بشعائر الروح سلوك العاجزين عن افتكاك زمام مباحات الدنيا، وتَعَفُّفٌ مُضَبَّب عما أراد الله تسخيره للمؤمن، وهدم لمنارة الحضارة، بعبارة (الصاروخ الذي لا ينطلق)، استفزَّها إفزاع السامعين، وتغييب رحمة الجنة بالعمل الصالح، فيخرج المصلون يتنفسون الصّعداء، للشرخ بين الشعيرة والشارع، المفسق للمهتم بالدنيا، ليَطرأ التحريض الدنيوي مكابرًا، ويبقى المتدين خارج الفعل، لاعتباره الدنيا كفرا وفسوقا، فيَعُمَّ به الاستضعاف.
لا يُدرأ عذاب القبر بخراب الحضارة النافعة بمقوماتها الدنيوية الصالحة، وإلا دُفنت الأمة في قبور التخلف.
المسجد ليس بيتا للتماوت الفكري والمعنوي، ولا للنعوش الموجودة فيه عوض المستشفيات، حالُ واضعها قائل، (لنا الحياة والصناعة، وللمساجد الموت والتابوت)، ولو جمعا بين الأمرين لحققا شمولية الإسلام.
أنصح المسلمين:
1/بالتعلم، وتنشيط الذاكرة بالوعي الفكري الصحيح عن الإسلام، لِيُواكِبَه خِطَابُهم، ولتحديث العقل وفق أسرار الشريعة ومقاصدها ومفاهيمها الصحيحة.
2/بإضافة أعمال خارج المسجد، يربط منشطوها الإنتاج الدنيوي والعلمي بالله، لِدُنيا بِدِينٍ يرثها، والبرهنة على حجيته واكتشافاته العلمية في محاريبها التجريبية.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم