الفقه الإسلامي مجال ثري بعلومه الكثيرة العامة والتخصصية، فاقت منظومة أحكامه كل التشريعات والأنظمة الأخرى، ولا نبالغ عندما نُذَكِرُ بأن:
1/ مساحته الواسعة للعقول سببت بروز الاختلافات الاستنباطية بين الفقهاء.
2/ الحاجات الملحة والمتطورة وتحديثاتها المتتالية عبر العصور عَدَّدَتْ التخصصات العلمية فيه.
3/ بساطته في العهد النبوي، جعلت المطلوب قريبا من المنبع، يَأْرَزُ إلى النصوص بتطابُقِيَّتِها، إلا قليلا مما أقرَّ النبيُّ ﷺ اعتبارا للعقل وحرية التفكير وتفعيل الدعوة إلى التدبر، كالخلاف في دلالة (لاَ يُصَلِيَّنَ أَحَدُكُمْ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، على أدائها أوسرعةِ المسير، بناء على قرينتيْ لغة وحال الحديث.
لكن تفطَّرت الهامشيات العلمية بعد العصر النبوي والراشدي، وتفرّعت بدءً من عصور الانحطاط حصرا، وكانت أسبابها في تقديري كالتالي:
1/ تحوُّل الفتنة إلى السياسة إلى قولبة الجانب العقدي ثم الفقهي للهيكلة المذهبية، لكنها انفلتت ليتأسس عليها دين شيعي يلصق فقهياته بالإسلام.
2/ ظنُّ تحقق الغلبة في المناظرة بتكثير وجوه الإفحام، فآل إلى ما يتمرد على الأدلة، خاصة من يتحاكم إلى الهوى والتعصب المذهبي.
3/ الخلط في التأويل بين العقيدة، والفقه، واللغة واتخاذه سلاح الإقناع المعرفي، (كإصرار طرفٍ على الحقيقة، ومُخَالِفُه على المجاز، وإقحامِ كل ما ينصر منحاه، ولو كان شبهة).
4/ الخروج من الانضباط الأصولي، والمقاصدي، والقواعدي المستقرأ الصحيح من النصوص وأحكامها، ومحاصرة العقل والذهن بالنزول إلى الهاوية الجزئية الفرعية.
5/ التبرير غير المدلل للمذهب، بانتحال كل ما يجنب الإفحام.
6/ عدم الإنصاف مع المخالف، وإخفاء ما يوافق، والتنكر له، وتحويله إلى نطاق مراء.
7/ إرضاء الأتباع والغوغاء والخشية من انفضاضهم وتضييع المصداقية حين قبول الصواب أوالحق أوالتوصل إليهما أوالصدح بهما.
8/ تنامي الجهل والانحطاط العلمي بكل نواحيه وفروعه المؤدي إلى ضرورة الإطناب والشرح والحواشي لاستمالة العوام.
9/ التصدي للمجال العقدي والعلمي بدون مؤهلات ولا ضوابط فتحدث الخبط العشواء ويضطر غير الكفء إلى تشعبات مذهبة للمتعة العلمية.
10/ الاضطرار لتبرير سلامة العقيدة أمام محاججات غير المسلمين بتمحل الاستقواء بالعقل والمنطق والفلسفة، ما قد يبتعد كثيرا بشعبه عن حرفيات وظواهر وأعماق ومرادات النصوص.
11/ إهانة قدرات ومؤهلات وعقول المتلقين بسلوك التشعبات المبسطة عوض دسامة الدليل، ويكثر هذا في المساجد التي تُلقى فيها الدروسُ والخطبُ بارتجالية غير ممنهجة ولا منضبطة.
12/ تَمَعُّضُ المتلقين من مستويات إلقائية في المساجد، أوتأليفية في الكتاب والمقال، فتحدث التلبية بتبسيطات تأخذ منحى الكلام أكثر من الاستدلال.
13/ تجاذبات جزئية متعاكسة بين سلفيين وأشاعرة (بالنكرة) بلا تأصيل ولا استدلال، لمجرد الاختلاف العقدي السني.
إن الخلاف الفقهي قديم وسيُوَرِث الكونَ ويَرِثُهُ، ومحاولة القضاء عليه:
١) اعتداء على العقل الذي حباه الله رتبًا عَلِيَّةً.
٢) تجاسر على الناس لنسخ صور تفكيرية وذهنية متطابقة.
لقد اختلف أبوبكر وعمر رضي الله عنهما في قتال المرتدين، والصحابة في عدة الحامل المُتَوَفَّى عنها زوجها، وفي دلالة (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) 229/ البقرة، على السُّني أوالرَّجعي، وفي ميراث الجد مع الإخوة، وتعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وغيرها، لكن أصَّلَ كُلٌّ منهم بالدليل النصي والقواعد الموجهة له، دون تجاذبات هامشية بعيدة، ولا بجانبيات خارجية.
إن العمل الناجح والصادق لا يتجه نحو إلغاء الخلاف أوتجاهل تواجده، لأنه فرض نفسه بسعة العقل الموهوب من الله تعالى، وإنما نحو:
1/ تقوى الله تعالى بالتوقف عن الخوض في العلم إلا من أهله ذوي الكفاءة.
2/ تنقيته من الجانبيات وتوجيهه إلى استنباط الأحكام بالأساليب العلمية والطرق الفقهية من مصادرها الدلالية الصحيحة الرصينة، اقتصارا عليها لا توسعا إلى هامشيات قد تنقض غزله.
وأختم بقول ابن تيمية (وهذا لأن الناس لا يفصلُ النزاعَ بينهم إلا كتابٌ منزلٌ من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أداه إلى علم ضروري، ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.) درء تعارض العقل والنقل.
Tags:
شرعيات
