الفيض المغيث في محنة بلغيث

النفع قد يغيث بقطرة، فأولى منها أسبابه الكبيرة.
سقطت تفاحة فدُرِّست الجاذبية وقوانينها الفيزيائية.
وضعوا يوسف عليه السلام في الجُبّ، فآثره الله عليهم فجاؤوه معتذرين.
بغض النظر عن سبب محنة الأستاذ الدكتور البروفيسور السيد محمد الأمين بلغيث، وصوابه، أوخطأه الإعلامي، وظروفها، أوطبيعة طرحه، أوتوقيته، أواستدراجه أوعدمه، أوتطرقه لمحسومٍ دستوريٍ، أوالاجراءات التبعية، فإنه أستاذي لمادة التاريخ الإسلامي في معهد العلوم الاسلاميه بجامعة الجزائر، ومن تكرّم عليّ بحرف غمرته بالثناء.
التبرير له، أولمصيره، أوانتقادهما، تناوله غيري، وتمعَّنْتُ نصوصَهم، لكنني أريد التعريج على َجنْيِ الواقع والعقول والعواطف ثمرات قضاها الله من تقدير بلواه.
لا أظن الخطبَ يخرج عن آية (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)/ النور/ 11.
الرزيّة الخاصَّة قد تبقى في الدائرة الضيقة الأسرية على الأكثر، ولو أدت الى مِنحة، لكن العامة ولو على فرد فمجال تأثيرها فسيح، وعمرها مديد، لا ينقضي إلا بتطبع الأوضاع مع نتائجِ مقصودِ الثبات، فالإمام أحمد رحمه الله لم يكن حرجه في مسألة خلق القرآن خاصًّا، لأن دوافعه جهْمِيَّة ومعتزلية، لفظية نافية ومثبتة، ونتائجه عامة، فرضها واقعيا ثباته على (القرآن كلام الله غير مخلوق).
مآل أستاذنا بمكانته العلمية والاجتماعية والنخبوية والإعلامية أحيى في تقديري وعيا بما يلي:
1/ التمييز بين الشدة الخاصة والعامة كما أسلفت.
2/ إبراز قيمة الأستاذ وأصله وفكره ومؤلفاته، إذ سنرى في الأيام القادمة إقبالا كبيرا على أعماله العلمية والتاريخية لسبر أعماق فكره وتفكيره واتجاهه وتحليله ومصادر استمداده قبل شخصه، لذلك سيخشى شانئوه زَخَمَ المقتنعين بأطروحاته، لأن كثيرا من المغترين بالفكر الغربي لم يُؤْبَهْ لهم، فالحرية أذابت زَبَدَهُمْ، ولم تمنحهم فرص الإستثمار في الأوساط الإنسانية، ولم يهوِ شريفٌ إلى قاع انحرافهم، وإذا قيل قديما (بيننا وبينكم الجنائز)، فالتعاطف الهادر، والغضب الساخط معه، والعدد المتطوع للدفاع عنه، والعرائض النخبوية والعلمية للأساتذة الجامعيين المؤيدين دليل على ما سبق.
ربما لم يكن سيد قطب معروفا، لكن استشهاده ألقى مؤلفاته بين القراء جهرا وسرا، يتلهفون التعرف على فكره.
أُهين القرآن في الدنمارك، فهرعت أفواج أوروبية نحو اقتناء مصاحف وكتب لتعرف الإسلام.
ولو تغافل التلفزيون العمومي عن تأجيج الفتيل، ما فاض طوفان يستنهض ضميرا جمعيا سيحرج الكثير.
3/ إخراج الجبناء من الجحور، فبعض المختفين من وراء جُدُرِ المشروعات نفثوا أقذر ما في بواطنهم تجاه الاسلام والعربية، ولا يزال بعض اللائذين متوارين موقنين ظهورَ الحق، وزهوقَ الباطل.
4/ كشْفَ الناقمين على تدخلاته في إرادة سحل الجزائر من امتدادها وانتمائها العربي الاسلامي، واعتبار فرنسا خط النار الأحمر، لأن تركيزه كان على جرائمها المبثوثة أكثر من غيرها.
5/ تَعَلُّمُ فكّ عقد الشبكات، لتحييد الطفيليات العالقات.
6/ فضح سرائر الناس بين متشفٍ وناصح.
7/ التمييز بين المصابين بالشدائد، فبعضهم لم يهتمّ بهم أحد، لعمالاتهم كالمدعو صلصال وأشباهه الفارّين، أما غيرهم كالأستاذ بلغيث فتكفيهم الأرصدة الشعبية والعلمية والنخبوية.
8/ استمرار التمسك بعناصر الهوية تعصبا وعنصرية وعرقية دون الالتزام الديني والوطني ضار بالجميع.
9/ قيمة سلاح الكلمة محاضرة، ندوة، مقالا، درسا، خطبة، إعلاما، في تنوير الأمة، ودحض أعدائها.
10/ استفزاز المجتمع للتعرف بعمق على عناصر الهوية بين الحقائق والأوهام تاريخيا وعلميا وعرقيا في بطون المصادر والمراجع المسطورة والناطقة.
11/ التعايش بين الجزائريين أوجب مما مضى على اختلاف مشاربهم، وترجيح كفة الكفاءة في المسؤوليات والإدارات والشركات والعقارات وغيرها على فكرة السيطرة الفئوية بما فيه التيارَيْن الفرانكوفوني والفرانكوفيلي، ولا أرى ذلك إلا في إطار (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)/ آل عمران/ 103، ضمانا للعدل ومساواة الفرص، فإن واقع العراق ولبنان والسودان وليبيا ومالي وغيرها عبرة لنا وتحذير مسبق.
فيمكن القول إن فاجعة بلغيث أفاضت منه غيثا لأنه أصبح أمة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم