طوفان الأقصى وشهادة التاريخ

من محاسن العادات الفردية حفظ الجوائز وكشوف العلامات والنجاحات الدراسية، وشهادات حضور الندوات والملتقيات والتربصات، يوصي ممتهنو تدريبات
التنمية البشرية بترتيبها وتصنيفها ووضعها في مكان مرئي بالبيت، وتعليقها على الجدران، لامتداد تاريخها الشخصي والمهني والاجتماعي، فيها الامتنان، والعرفان، والتعبير عن مؤهلات السعادة والإنصاف التاريخي لكل حسنات الأيام والأحوال والأعمال، وهو مَثَلٌ مُصغّر عن يوم القيامة (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)الحاقة/19.
عكس السوابق السيئة التي يشمئز التذكير بها، لأنها تُسَوِد صفحات اليوميات وتُعَكر المزاج المتفاعل مع لذائذ الذكريات، (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ)الحاقة/25.
التاريخ يتذكر ولا ينسى، يعقل بعدل، يوثق ولا يضيع إحسانا، كما لا يرحم المسيئين، سجلاته تتطاير أيام المحاسبات والمكاشفات الدنياوية المناسباتية، لا يسمح بغمط جائزة المحسن، ولا بتوسيم مختلس سيادة.
الشريف يسود قومه ولو جُبَّ عملُه، والوضيع يشير إليه بنان الفضح ولو طفا ادعاؤه.
يتعب المخلص في الإسرار بقرباته لكن التاريخ من طرْف غيرِ خَفِيّ يعرف له الفضل بعد أفوله، يسجل نصاعة الصفحات المشرقة.
كما سيلعن تاريخ طوفان الأقصى من ذكرنا في المقال السابق، فإنه أنجز شهادات سلوك على شرف:
1/ الرجالِ الأشرافِ الذين نفروا في سبيل الله ولم يثَّاقلوا إلى الأرض، ولم يرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، فحضَّروا وأعدُّوا ما استطاعوا من قوة، ومن رباط الإيمان، ورباطة الجأش.
2/ الشبابِ الصابرين على مضايق الأنفاق، والناس خارجها في بقاع عالمية كثيرة ينعمون بمتع اللذائذ الواسعة.
3/ البواسلِ الشجعانِ، ملاحقي الدبابات والمدرعات من مسافة الصفر إلى أقل أوأكثر، مقبلين غير مدبرين، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)البقرة/207.
4/ شبابٍ موقنٍ بالأجل الواحد، والقضاء المبرم، ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، يسري طلب الشهادة مجرى عروقهم، يرافق أسلحتهم (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ)الأنفال/17
5/ ممثلين سياسيين لهم في ديار الغربة يقضون مصالح الحرب والسلم والغزيين، تأنف تقواهم مصافحة ممثلي العدو، ففَوَّضوا الوسطاء وفاء لإخوانهم المجاهدين.
6/ جمعياتٍ توصل الليل بالنهار، تجمع الأموال والغذاء والدواء واللباس والخيام للغزيين المكلومين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله ووطننا فلسطين.
7/ حكوماتٍ ولو قلّت، تسند ظهور الغزيين، وتصدح بحقهم الوطني في المحافل المختلفة.
8/ علماء وإعلاميين ومفكرين ومثقفين وكاتبين وناشطين ورياضيين وجماهيرهم، يتداولون صوت القضية وفضحَ الأعداء ومخططاتهم وأذنابهم من العرب والعجم ومستهلكي السياسة والمُغَرِرين بالمسلمين لحشر أنفسهم داخل صفوف نصرة غزة نفاقا وتلميعا، لاستمالتهم وتكثير جمعهم بهم لبناء أمجاد لا علاقة لها بالمسلمين ولا بفلسطين.
9/ متضرعين طرفيْ النهار وزلفا من الليل، أن ينصر المجاهدين، ويرحم الموتى ليلحقهم بالشهداء، ويشفي المرضى، ويدمل جراح المصابين، ويؤوي النازحين في العراء، ويهزم الأعداء ومعاونيهم.
10/ شعوبٍ عالميةٍ تغلق الشوارع والساحات لتوقيف الحرب والنزيف، ولو كانت على غير ديننا.
11/ جموعٍ غفيرةٍ ارتحلت على متن قافلة الصمود لا تلوي على معوقات ليبيا ومصر ورفح.
هذه شهادات التاريخ لمن سيسيرون، وتبرز صدورهم شامخة مكشوفة لا شية فيها، ولا خيانة داخلها غائرة.
صحيح أن التاريخ لا يرحم الخيانة، لكن رحمة الله به للمخلصين والصادقين والمعاونين والمؤازرين والصادّين عن العدوان والشادّين على أيادي إخوانهم وقلوبهم ومعنوياتهم واسعة جدا.
هؤلاء يساقون في الدنيا قبل الآخرة، تقول لهم شهادة التاريخ لنصاعة صفحاتهم وصحائفهم، سلام عليكم طبتم فسيروا فيها ليالي وأياما آمنين طاهرة رؤوسكم، شاهقة جباهكم، ناصحة سمعتكم، تفخر بكم المحافل، وتحملكم العقول والأفكار.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم