كلُّ غائب مستخلَف، بسنة ربانية كونية قاضية بألاَّ يشغُر مُلكٌ، تُشْتَهَى خلافة المناصب إلا عند الوَرِع، إلا خلافة الوالديْن في إحسان السيرة والخلق فواجب ولو تعسَّر، لما يُحَتّمُ على النفس من الانضباط للتمثيل المطابق أوأقرب.
لا يشعر أحد بتحمل تبعة تمثيل والديْه في سلوكاتهما الاجتماعية والأخلاقية إلا بعد وفاتهما، لأن الفرد في حياته يمثل نفسه، ولا يحتاج توكيل غيره للتواصل مع الله ثم مع الناس، فعلى قدر مكانة وراثة الأقارب للميت اجتماعيًا، والشعور بالفخر والاعتزاز بقيمة الوالديْن التي تضفي مصداقية على تركتهما الإنسانية، تُشْعِر بمسؤولية توصيلها بعد الممات، ولو لخاصتهما الأقربين.
المناسبات الواقعية تُحْيِي في نفس المتدبر نصوصًا شرعيةً وحالاتٍ تاريخيةً ربما مرَّت بغفلة ذهنية، والنص الشرعي الآتي يستشعره المُبْتَلى بـ{إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أوكلاهما}، عن عبداللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما قَالَ: أَقْبلَ رجُلٌ إِلى نَبِيِّ اللَّه ﷺ فَقَالَ: أُبايِعُكَ عَلَى الهِجرةِ وَالجِهَادِ أَبْتَغِي الأَجرَ مِنَ اللَّه تعالى، قال: فهَلْ لكَ مِنْ والِدَيْكَ أَحدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نعمْ، بَلْ كِلاهُما، قَالَ: فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّه تَعَالَى؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلى والِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُما متفقٌ عَلَيهِ.
والمتفكر يعلم الإحساس الصادق لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بثقل النقلة النوعية وتبعة خلافة النبي ﷺ، فاتخذ القرارات الجريئة إرضاءً لرسول الله المستخلَف.
أقرأ عن الحياة المتجددة للأنبياء، والعلماء، والمفكرين، والأبطال، بعد مماتهم، لكنَّ الشعور بحياة الوالديْن بعد وفاتهما يتنزل بقوة أبوة، تنفث في روع البنوة، فالمال والنفس لهما في الحياة، وتوريث خلافتهما أشد بعد مماتهما.
متدبر حديث الصدقة الجارية، وعبارة {أوولدٍ صالح يدعو له}، يدرك أن إصلاح نفسه، وتقديم ثمرتها للوالدين الميتين واجبًا شرعيًّا استكمالٌ لها.
والناس في خلافة الآباء أصناف:
1/ خلفاء جالبون للمدح والترحم وزيادة الأجر وتخفيف وطأة القبر وضمته.
وهذه مقتضية للمبادرة والتطبع التدريجي مع ذهنية جديدة تَلِدُ الوالديْن بين الناس، لأن الولد لا يتعامل أصالة عن نفسه، وإنما بسفارة لهما في الشوارع والأزقة والأسواق، يخالط، ينتبه، يقدر، يحترم، يُحَيِي، يصافح، يطمئن، يتواضع، لأجلهما، تنتعش حياته بالإيجابية اللازمة والديناميكية المتحركة.
2/ خلْف كمن قال الله فيهم {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}مريم/59.
يُمِيتون الوالديْن الموتة الثانية، بجمود العلاقات، والصّدّ عن الناس، يحرمونهما الترحمات، ولو لم يسيؤوا إلى غيرهم، لكنهم ألْقَوْا حِمل الاستخلاف عن كواهلهم، واستأثروا بأنفسهم، وقطعوا الإمدادات الروحية عنهما، بالغفلة عن الواجب الجديد.
3/ صنف ساروا بالإساءة في حياة الوالديْن إلى الزمن الغيبي، فجلبوا لهما السباب والشتائم.
الناس شهداء الله في أرضه، على الميت والحيّ بعده، لأن السمعة الحسنة، والقبول في الأرض للوالدين زيادة تكليف على الذرية، لا محمل افتخار وخيلاء، والله لا يحب كل مختال فخور.
التنازل عن ميراث المال مباح، لكن السمعة والأخلاق تورث جبرا وطبعا، لا تشترى ولا تباع، فموت الوالدين تكليف جهادي معنوي روحي جديد، لا راحةٌ من جهاد سابق فيهما.
موت الآباء استنفار أخلاقي لخلفائهم، وتجنب جنف خيانة الوصية الأدبية به، وإلا فهو عقوق مولود، أومتجدد مستأنف.
سمعة وأخلاق الآباء رسالة يؤتمن الأولاد على أدائها بعدهما.
إن صلح الأبناء فبذور وجب تَعَهُّدُهَا بالوصل الاجتماعي ليشتد عودها، كشجرة طيبة أصلها الأجداد وفرعها الأبناء.
إنهما مصراعان مفتوحان للجنة، للترحم، وجلبه، والصدقة، والقرآن، والزيارة، والتمثيل الاجتماعي، وكلِ ثواب أقرَّ الشرع وصولَه للميت في قبره، لا يُغلقان بالموت، لتبرير التفريط فيهما غيابيا، وحرمان التائب من تعويض الفائت، ولن يغلقهما أحد إلا بموته.
رحم الله والدي محمد الطاهر شراير.
Tags:
أخلاقيات
