غيرُ المسلم ينفق ماله وقوَّاه، إلا الرّوح، يقاتل للعودة بنفسه سالما غانما، يتحيَّز إلى المكامن الآمنة، يريد القَتْلَ دون الموت، فيثَّاقل عنه النّصر وهو يَحسَب أنه على مكْنَة من خصمه.
والمسلم يبذل مثل غيره، لكن ببيع لله، يبتغي القتل ويروم الشهادة، يريد الحياة والقتل مرات، لتترى عليه نعمها حيًّا عند ربه مرزوقًا، فرحًا بفضل من الله، مستبشرا بالذين لم يلحقوا به من خلفه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)النساء/104.
إنه مارد إيماني وقَّعَه طوفان الأقصى، نصّع صورته للعدو والصديق والخائن.
الإيمان الصادق إذا غارَ في النفوس لهَّجَها نحو الآخرة، مستهترة بِلذَّات الدنيا مهما تحلّت بزخرفها وازّيّنت، وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها، فيُشاقّ الدنيا ويضارّها، إما هداية الله ورحمته ونوره وشرعه وحقه، وإما الموت دونه، (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أوأهلك دونه).
هذا قرار طوفان الأقصى بحاله الباسل، وغير المسلم يشترط الدنيا للدنيا.
غزة تكاد تُمحى من الوجود، يَحْتَضِرُ شعبها للإبادة عن بكرة أبيه، بُنْيانها تخرّ عليه الطائرات من فوقه، الحرب النفسية، صناعة الميليشيات الخائنة الداخلية بعد الأنظمة المطبعة، كهيئة النفاق على عهد النبي ﷺ، مشاهد تكاد السماوات يتفطَّرن منها وتنشق الأرض وتخِرّ الأفئدة هدًّا.
بلغ الظن الغالب بالعدو إلى حسم المعركة، إحكام غزة على مرمى حجر، إجبار بقايا الغزيين على الذلة، أوالهجرة نحو الشتات مسألة ترتيبات وقتية ميدانية فقط، لا داعي للتفاوض على الأسرى فاقتحام الأنفاق قاب قوسين أوأدنى، أمْنُ الجنود والمدرعات والدبابات والمدافع والجرافات والخيام والقيادات الميدانية المهندسة بات مضمونا، ستُلَقَّبُ غزة باسم عبري، ستبنى على النمط الهوياتي الديني الكهنوتي، تنفيذ الخريطة الموسّعة خارج إطار فلسطين كلمح البصر أوهو أقرب، لِوَاذُ الأنظمة العميلة من بطولة حماس بقسامها، والجهاد بسراياها، يقترب، تعافيًا من سياط الأمريكان ومخلبهم، وجلود المنافقين، ولومات المخلصين.
دخلتُ يوما البحر مع أحد الإخوان، لا يحسن السباحة، طمأنته، فأمِنَني، ألقيته على وجهه مداعبةً، خرج منه وهو يردد (يؤتى الإنسان من مأمنه).
وَثِقَ العدو في مأمنه الجديد ليستكمل توسعه الوحشيّ، فخرج عليه المارد الإيماني من تحت الأرجل، وعن الأيمان والشمائل، بشبابه البواسل، ليُثخِن فيهم قتلا وجرحا، وفي مروحياتهم إسقاطًا.
اشتدّ ساعد المارد وصَمَدَ لما قيل له إن الناس قد جمعوا لك فاخشهم، فردّ عليهم، (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)آل عمران/175.
اكتفى بمعية الله، وتلذَّذ بتفويضه، (وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).
طوفان الأقصى مارد إيماني أصله منطلِقٌ من الأنفاق، وفرعه في سماء الذود عن الحياض.
اقتطع راحة المحارب ليُخرج الخائرين الجبناء من جحورهم، منحهم بسطةً على الأرض، (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْمُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ)الأنفال/16، باغتهم مقبلا غير مدبر.
برهن الإيمان أن ضَخّ المال، وشحنَ السلاح، تلاشى سرابًا غير نافع، كالماء الصاعد بخاره بلا غيث ينزل.
فليلتفت هؤلاء إلى هيمنة المارد الإيماني على أسلافهم أهل الكتاب، والفاطميين، والبويهيين، والقرامطة، والفرس، والروم، فأجلاهم عن أراضي المسلمين وحررها ليفسح فيها للرحمة والحرية.
لِيُوفّروا على أنفسهم المال والسلاح والكراع، ولِيستفيدوا من التاريخ أن الدائرة لله ولرسوله بعبادٍ أولي بأس إيمانيٍ شديد.
Tags:
مجتمع
