رأينا سابقا تعاملَ البعض مع صفات الله تغييرا وتحويلا، ولو تحت مظلة مصطلح التأويل، لاكتساب المصداقية العقدية والتشريعية والمجتمعات العلمية، وحتى وإن كانت نصوص الشريعة:
1/ قطعية الدلالة لا تحتمل إلا فهما واحدا يجب أن تجمع عليه البشرية المسلمة، كنصوص أركان الإسلام، ومنافاة الخالق للخلق، وغيرها.
2/ ظنية الدلالة معبرة عن مرونة الشريعة في فسحة الفهوم المختلفة توسيعا على العقول.
لكن لابد أن تقف أمام يقينيات كالعقيدة، ومنها صفات الله تعالى التي نؤمن بها كما ذكرها الله ورسوله ﷺ، نُقِرُّ معانيها، ونُفَوِّضُ مُراد كيفيتها لله تعالى، دون تعطيل، ولا إرادة غير المذكور، بحجة السلامة من التجسيم، لأن حاميها هو (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى.11، و(ما تبادر إلى الذهن عن الله فهو بخلافه).
لأن المحذور ليس عند كلامنا عن تحريفها بذكر مرادات غيرها، رغم التسليم بها كما ذكرت، وإنما بتشعبات، منها:
1/ القصد:
لا خلاف في أن تحرير القصد التماس:
أ/ العلم بما في قلب الآدمي من إرادات.
ب/ العلم بما أراد الله.
ومقاصد الله على أضرب:
١/ واضحة:
أ/ بالنصوص: كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)185/البقرة، (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ)28/النساء، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)33/الأحزاب، فهذه وغيرها صريحة في بيان مراد الله تعالى.
ب/ بالاستقراء: كالنتائج المتوصل إليها بجمع النصوص والأحكام، مفادها قواعد، ومقاصد مرادة، كمقاصد الشريعة، وسنن الله الكونية مثل:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)69/العنكبوت.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)55/النور.
٢/ غير واضحة: وهذه استأثر بكنهها كما استأثر بعلم أنبياء ورسل لم يقصصهم علينا، وصفاته مما أعلمنا بفائدتها وبمواعظها رغبة ورهبة، لكن استأثر بقصدها لنؤمن بها، ولا نستخف ببعضها.
فالتدخل في القصد بلا دليل تَقَوُّلٌ بأنه لم يقدر على البيان لعباده، وبعُلُوِّ قدرتنا عليه، تعالى الله عنه علوا كبيرا، وهو من الابتداع الذي يَتَّهم صاحبَ الرسالة بعدم إتمامها.
لا يُعارَضُ هذا بإمكان الاختلاف في الفروع الفقهية، فتلك أعمال بدنية، ولها تفسيرات معضدة بـ:
١/ أدلة نصية.
٢/ أدلة تبعية:
كأفهام السلف من الصحابة والتابعين، والأصول والقواعد، واللغة، بنحوها وصرفها خصوصا.
فلا يجوز اختلاف الأفهام فيها بدون برهان.
والتوقف عن التقول على الله في قصده بغير دليل أدب معه، تماما كالتعامل مع قصده في الأحكام الشرعية العملية، وغيرها من التفسيرات المضطربة، والكثير من القدامى فضلوا تفويض العلم بمرادها إلى قائلها سبحانه.
2/ الثقة في الله:
إن كثرة التردد على طلب قصد الله من صفاته بدون دليل، تهتز به الثقة في قدرته على البيان والإعجاز والإرادة والاستئثار، تعالى الله عن ذلك.
3/ الاضطراب:
أفهام البشر وتفسيراتهم وبياناتهم تعترضها الاضطرابات، دون الانضباطات، والعقيدة مَرَدُّها إلى الإجماع لا إلى الاختلاف، لأنها من الأعمال القلبية، وتتناقض مع (ما تبادر إلى الذهن عن الله فهو خلافه)، لأن كل مُغَيِّر، يصنع لنفسه مبادرة ذهنية، وإذا أحللنا لأحد مذهبا في بيان قصد الله منها فمن العدل أن نمنح لغيره ذلك، وتتحول الفكرة بلا دليل إلى تعددية عقدية كأهل الكتاب.
يتبين مما سبق أن أصل قصد الله من ذكر صفاته مقتصر عليه سبحانه فقط، فلابد من الوقوف عند محلّه، فإما التجاسر على ما ليس لنا به قدرة، أوسوء الأدب معه.
والعاقل لو خُيِّرَ بين التماس قصد الله من الصفات، ووقاية نفسه بالتفويض، لاختار التفويض.
فحفظ سلامة العقيدة بعدم التجاوز إلى ما يضطرب فهمه أفضل في العاجل، وأنجى في الآجل.
Tags:
شرعيات
