حماية الدولة وحماية السلطة

الدولة كيان نعيش داخله بحدوده الجغرافية ومقامه الاعتباري.
وليس ضروريا تأثرُ احتضان الدولة بالموقف من السلطة لأنها مجرد بشرٍ مسيرين لشؤونها.
هذا يتطلب وعيا وفطنة وحدسا ذهنيا قد يحاكي بسرعة فعله حالات الوحي، بذكاء متقد وانقداح الحلول في العقل بالنظر إلى المقصود المبتغى واختبار مآلاته غير المرتبة بدءً، لا يُحْسِنُ استحضارها إلا المتفحص المتريث، وبه تُستعمل الأساليب والوسائل والمواقف المتعددة للظروف المتغايرة بما يسمح الشرع والقيم والمقاصد الحقيقية والمصلحة العامة لا الخاصة بدون وهم.
ويتنزل هذا الطرح على حالتنا الانتخابية التي لم نشهد لها مثيلا قبلُ، التلاعب بالمشاركة تقليصًا وتضخيمًا، نسبةً ومعدلاً، عكس الاستحقاقات السابقة.
انطلت على الشعب تحريضات خفية على الغياب، المقاطعة، الانتخابات محسومة، التزوير، اليأس من نتائج كل المواعيد الانتخابية، لتفجير الدخول الاجتماعي، نسف الرئاسيات، إفراغ البلاد من المؤسسات، إحلال فوضى، أحسن أحوالها تعيين مبعوث أممي يخطط للتعفين.
اسْتُبِقت المؤامرة إلا أنه تم التخطيط لإفراغ الانتخابات من محتواها والقضاء على مصداقيتها بتقليل نسبة المشاركة، ثم تضخيم نسبة فوز الرئيس لإقحام البلاد في هرج.
كان المشاقُّون للدولة لا لتبون، العملاء لجهات يعلمونها، دهاةً بتفعيل المقاطعة والعزوف وتأييس الناخبين من جدوى الاقتراع لتقليص المشاركة قدر الإمكان، لم يتسرب دهاؤها ولا أسرار تخطيطها، فوتت على الوطنيين والواعين فرصة تنبيه الناس وشحنهم للمشاركة بقوة، حفاظا على شرعية ومصداقية الدولة لا الأفراد.
الوضع الانتخابي المرّ واقع صحيح، لكن استخدامه لتسريب شق داخلي خدمة لأطراف عوض النظر الآفاقي البعيد وتصحيح الاختلالات الضارة والصرامة في حراسة الأصوات مراد مرفوض.
قد تنفع المقاطعة في ظرف غير مزهق لأمن الأمة، وقد تضر في وقت، لعلل مخالفة بعيدا عن العلاقة بالنظام والسلطة القائمة.
ولاؤنا للأمة لا للمسؤول، لأنه غير معصوم، وعندما يتبين لنا واقعا لا خيالا بأن المقاطعة تعزله لسوء أدائه المتعدي أثره على الأمة لتستخلفه في غير تهديد للأمن القومي (كحالة التسعينات)، ولا فوضى مفتوحة على جميع المصاريع والاحتمالات السيئة خاصة في الظرف الحالي الجيوسياسي الإقليمي المحيط بنا، فتكون هي الحل، لأنها أرضية انتقالية إلى مستقبل أفضل في هدوء والتحام وطني شامل، ننجو به من استنساخ محرقة التسعينات بدمائها ودموعها ويتاماها وثكالاها وحطامها على جميع المستويات والمجالات، بما لا يعيد على أي حال عودة الجزائر إلى المربع التسعيني الأسود الأحمر.
الموازنة بين الدولة والسلطة تختار الدولة، وتضرب جميع السبل لحمايتها ولو على حساب الأشخاص، لأنهم يأتون ويرحلون ويُستبدلون، والدولة ليست اليد الشلاء التي يُلوى بها الرئيس.
الأتراك اتعظوا من سنوات الفوضى فخرجوا ليلا يقاومون الانقلاب وصانوا الدولة لا سلطة أوردغان، والشيء نفسه صدر من الفنزويليين.
والحراك حمى الدولة في بداياته من عصابة العهدة الخامسة.
ومع تراكمات الأعوام التي لا تفكك إلا بجهدِ زمنٍ مثلها، إلا أنني لا أزال أنصح السلطة رغم حيادي عنها وانحيازي نحو الدولة، بالضرورة الملحة الواضحة الآن أكثر من أي وقت مضى، لفتح الحريات اللازمة في إطار القيم الشرعية والوطنية والقانونية، والاجتهاد واقعا لا وهما لزرع الثقة المتبادلة من جديد، وتخفيف شروط الترشح، لإمكان ضمان المشاركات في الاستحقاقات القادمة بنسب معقولة لا تهدر الشرعية والمصداقية ولا تسلم الدولة للازدراء والاختطاف ولا تبرر لتدخلات إجرامية مفضوحة بذريعة انعدام أونقص الشرعية، دون استغلال حب الناس لوطنهم لابتزازهم به.
كما أتوجه بكل أخوة وصدق إلى الفئات المتصارعة حول مصالح أونفوذ أومناصب أن يتخاطفوها بعيدا عن تهديد الأمة لأن المصالح ضيقة والأمة واسعة.


الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

1 تعليقات

  1. ي ل ع ن ربك على رب الجزاير نطفة وسخة

    ردحذف
أحدث أقدم