طوفان الأقصى والنصر الواجب

اعتاد العرب في القديم على حماية الضعيف ونصرته على القوي، ومن جماليات مروءة ذلك الزمان حصول تحالف سمي حلف الفضول بسبب رجل من زبيد قدم مكة ببضاعة واشتراها منه العاص بن وائل السهمي وحبس عنه حقه، فانعقد في شهر ذي القعدة عام 33 قبل الهجرة، الموافق 591م بين خمس قبائل من قريش، بهدف حفظ الحقوق ونصرة المظلوم وردّ المظالم، وحضره الرسول ﷺ مع عمومته، وقال فيه بعد البعثة "ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"، رواه الطبري عن عبدالرحمان بن عوف.
وإذا كان الله تعالى أمر في كتابه الكريم بقتال الفئة الباغية ولو كانت مؤمنة {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ}، فالأولى استشعار الأمر والوجوب بقتال الفئة الباغية غير المؤمنة على الفئة المؤمنة، ويقال مثل ذلك عما ورد عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْمَظْلُومًا) رواه الترمذي.
إنَّ أول ما يتبادر إلى ذهن المسلم عند رؤية التنكيل بالمظلوم أن يُحمى من بطش الظالم ولو أخطأ ويؤجل نصحه لإنجائه، {قلنا: يا رسول الله، نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: (تَكُفُّهُ عَنِ الظُّلْمِ؛ فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ)}.
إذا حرم النظر إلى دماء المؤمنين تُهراق بينهم، لأنه مصلحة حفظ الأنفس، فرؤيتها تسفح برصاص وصواريخ وقنابل ودبابات ومدافع ومسيرات العدو الكافر أشد تحريما، لأن مصلحتيْ حفظ الدين والأنفس في خطر.
إنَّ على سلاطين المسلمين توطين عقولهم وعواطفهم على إسلامية فلسطين، وليست مسألة داخلية كما يريد كثير منهم تقديمها صورة مسلما بها لشعوبهم وبالتالي (نحن لسنا ملوكا أكثر من الملوك)، كما نطقها أحدهم بالفرنسية.
إنَّ عليهم الإسراع في أقرب وقت بتفعيل كل تصريحاتهم عُقَيْبَ التوقيع على التطبيع القائلة (إن التطبيع يخدم القضية الفلسطينية)، لأن الشعب المحتل إذا كان اليوم يخرج إلى الشوارع في قدسنا وتل الربيع يسائل حكامه (أين مختطفونا؟) (ماذا فعلتم لإبرام صفقة تبادل؟) فإنا لا ندري طبيعة يقظة الشعوب المسلمة المفاجئة يومها.
إنَّ عليهم أن يعلموا أن بؤر التوتر داخل الجسد الإسلامي بين دويلاته ما هي إلا تعطيل للتفكير في نصرة الإخوة في فلسطين، وإعياء للجيوش في الخلافات بين الجزائر والمغرب، الجزائر ومالي، الاقتتال الأخوي الليبي، الخلاف المصري الإثيوبي، الاقتتال الأخوي السوداني، الجو العراقي المشحون، تمديد أذرع الأخطبوط الإيراني في لبنان، العراق، سوريا، اليمن، النزاع الصومالي، كلها بؤر تشكل الجدار الدفاعي الخلفي الاستراتيجي للعدو.
لو بادر جيش أي دولة للخطو نحو نصرة الغزاويين لتعشى جيش الدولة المنازعة في عاصمتها، وهو مأمن الاحتلال، فهل من كبير قوم حكيم يجسد في ذهنه أن فلسطين بلادنا، ليجمع الشمل ويفكك فتائل النزاعات ليتوجه الجمع نحو القدس؟
إنَّ عليهم أن يحذفوا حيلة المحتل باقتصار النزاع على غزة والضفة الغربية ليشغل عن الاهتمام بكل فلسطين.
إنَّ على الإعلام العربي والإسلامي المساهمة في ضرورة التلاحم وخطر التشرذم عوض الاشتغال بمجرد نقل الأخبار وإطلاق اسم دولة العدو على بلادنا، لعلها تفجر قضية اسمها الوحدة العربية والإسلامية المتوجهة نحو القدس.
أعلم أن كثيرا من حكام المسلمين اليوم يتشفون في مبادرة السابع أكتوبر باعتبارها تسرعا أوتهورا أوسلوكا قبل وقته وإعداده تبريرا للقعود الخاذل المخذل.
لنفرض جدلا صحة تبريرهم، لكن الحق يقضي بالوقوف مع المظلوم والذود عنه دون إنزال أشد المذابح على الشعب المسلم ثم يبقى الحديث الإسلامي الداخلي لتقويم التجربة والتحفيز بها أوالاتعاظ منها، لا أن يؤنب بتركه لحتفه كي يتحمل التبعة، ويكونون بذلك قد برأوا أنفسهم بنصرة المظلوم وانتزاعه من أيدي السفاحين بكل الوسائل المتاحة وما أكثرها، وبيان خطئه إن صح. إنَّ على حكام المسلمين مسؤولية عظيمة لن يبرأوا منها حتى يتحملوها ويؤدوا ديْنها لأن رقاب ودماء الفلسطينيين أمانة وتركها تسلب خيانة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم