المولد في الميزان

مرت ذكرى مولد النبي ﷺ واختلاف إباحتها أوبدعيتها، كما مر التشاحن حول زكاة الفطر مطعوما أونقدا، كما مرت مناسبات تشابكت فيها مواقف أهل العلم وأتباعهم العوام.
لذلك نسجل المفارقات التالية:
1/لا زال مسلمون كثر يئنون تحت وطأة الإلهاء عن مسائل مصيرية حضارية يستأثر بها غيرهم ليطول عمر استحواذهم.
2/رغم غلبة الجانب العلمي الفقهي عليها إلا أن الخائضين زلت أقدامهم بالتنابز، المبيحون يلمزون غيرهم بالوهابية، والمبدعون يهمزونهم بالمبتدعة والمذهبية، وانتماء المسلم إلى الإسلام فقط، ولعمري تكاد تنزع عن هؤلاء صفة الالتزام والعلم إن كانوا من أهله.
3/مبيحون عاملوا النبي ﷺ نحوا من الإشراك مع الله، ومبدعون كادوا يقللون من قداسته ﷺ.
4/مبيحون جعلوا الذكرى عيدا، ومبدعون أرادوها لا حدث.
5/سمح أهل العلم من كل فريق لعوامه بالخوض معهم ولم يردعوهم بقصر النقاش على المؤهلين فقط، فانفلت التقاذف بلا وازع أورادع.
6/أنكر المبيحون بأن بداية الاحتفال بالمولد لم يكن على عهد النبوة ولا الصحابة رضي الله عنهم ليكيفوه عادة أوعبادة، بل مختلف استدلالاتهم تأويلات، ولم يميز المبدعون بين العادة والعبادة والبدعة.
7/الإجماع لا ينعقد بثلاثة أوأربعة علماء، وإنما بالجميع تبديعا أوإباحة، وليس سوطا لجلد كل فريق خصمه، وإنما يحكمه العلم بقواعده وشروطه.
8/الترجيح لا يقع أبدا بمجرد نص واحد كما يبديه المبدعون، وإنما بجمع النصوص ليفسر بعضها بعضا، ولا بأقوال علماء كما يستأنس المبيحون.
9/لم يوظف أحد منهم تعاريف البدعة، فتاهوا وضاعت منهم بوصلة النقاش، وأذكر منها قول الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام {هي طريقة في الدين مستحدثة يقصد بها مضاهاة الشريعة} بوضوح في تقديري.
10/دلالة النصوص والاستنباطات في المسألة ظنية لكن الفريقين تناولوها بالقطع واليقين.
11/الأدلة من الكتاب والسنة ليست سيوف حرب، وإنما هي وسائل تقريب المفاهيم والإقناع.
12/تجييش أهل العلم لأتباعهم الجهلة يعتبر فتنة بين المسلمين، يخلف حساسيات خطيرة على المستوى النفسي، الاجتماعي، الأسري، المهني، الشوارعي، المناسباتي، فتفسد العلاقات الإنسانية بين القلوب الضيقة ممن لا يتحلون بالروح الفكرية العلمية، ولا يتوقفون عند مجرد الحوار، لأنه كان مراء سيئا بتجريح متبادل والشرع منه براء.
13/لم يتواضع الفريقان بمنح مخالفه إمكان الصواب واحتمال الخطأ عنده، ولو بالعبارة القائلة "في ظني، في رأيي، في تقديري، الله أعلم"
14/لم يعط أحدهما الآخر حق الفهم المختلف، بعضهم يمنع نقاش الدليل في إطار الفهم، يقول لي بعض آحادهم الدليل واضح في المسألة، دون التوقف عند مجرد الفهم ولو أنه ليس من أهل العلم ولا الفهم.
15/عدم التمييز عند الفريقين بين البدعة المجردة المستحدثة الموصوفة بالضلالة، والبدعة التي لها أصل، كقول عمر رضي الله عنه في التراويح "نعمت البدعة هذه" لأن لها أصلَ فعلِ النبي ﷺ ثلاثة أيام.
16/احتكم المبيحون إلى اعتراء الأحكام الخمسة للبدعة كما ورد عن العز بن عبدالسلام، والمبدعون إلى عدم ذلك كما ورد عن الإمام الشاطبي، وهذا دليل أصل الخلاف.
17/لم يفرق المبدعون بين التذكير بأيام الله، والمظاهر السيئة، ولم يفصل المبيحون بين دعواهم ومظاهر ووسائل الاحتفال ومنها الخطيرة.
18/علم الشريعة تخصص فليتق اللهَ العوامُّ من ولوجه وليكتفوا بالإفادة من أهله، كما يُخشى من التدخل في تفاصيل علوم أخرى.
19/صدَّع كثيرٌ أسماعَنا بطاعة ولي الأمر وحشر المسألة في كمال الإيمان، ويعصونه فيما يبيحه أويقرره، فليتبينوا ولي أمرهم.
20/الكل سهى في غمرة المشاحة عن الوحدة الإسلامية السنية المقدمة على الانتصار للنفس أوالمذهب.
لو بلغ النبيَّ ﷺ لقال أتختلفون وقبري بينكم؟
فليتوقف هرجنا وضحك أولياء الشيطان علينا.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم