يأسى الضمير، وتتحسّر القلوب على مسلم يلوك عبارات ماردين على النفاق في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَنعِتون بالفتنة جهادًا يُمَكِّنُ للدين، يحفظ أمانته، يصون وديعته، يحيط بقانونه، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي}، هذه فِرْيَةُ مُبْطِنِي الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فَردّ الله على إفكهم تصحيحا للمفاهيم عند أصحابه رضي الله عنهم، ليحفظها المسلمون ولو بَعُدَ العهد.
فطلع علينا مُعقَّلُون مُخَمَّرون ليعيدون عقارب الساعة إلى الجاهلية، جعلوا الجهاد للدين ولتحرير مقدساته فتنةً، ومغتصبوها فتنوا الناس في دينهم، وشعائرهم، وأوطانهم، ومقدساتهم.
لا نجد الدينَ والتمكينَ له، والجهادَ في سبيله، وردَّ العدوان، ومباغتَته، في القرآن أبدًا مصطلحًا للفتنة، فكل ما يعترِض الالتزام به ولو بأقل شعيرة، هو الفتنة، ووصفه فتنةً هو الفتنة {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}.
إن الفتنة مصطلح مظلوم إذا سيق بالمفهوم الصارف عن مدافعة الكفر والاحتلال، ورفع لواء العزة، والتمكين لحرية المسلمين في ديارهم للوصول إلى مقدساتهم، واجتماعهم فيها لأداء شعائرهم.
إن حقيقة الفتنة التي يَسِمُ بها أهل الخَوَرِ الجهادَ في سبيل الله، والترويج للهو والليالي الحمراء، حصر للتوحيد في ضائقة الاعتقاد دون توسيعه ولا تفعيله ميدانيًا.
إن الشغل عن دين الله تعالى، بحلِّ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير دفاع عنها، وتنصيب هيئة الترفيه بغير دفعها، وجعله مَرَدًّا لتدبير ولي الأمر، الذي لا يُسألُ عما يفعل وهم يُسألُون، هو الفتنة.
إن الفتنة الحقيقية هي تلك التي تعطِّل الجهاد في سبيل الله عن المضي، وتضع في طريقه الآصار والأغلال، وتشوِّش على الرجال حاجتهم إلى الاستقواء، كحال شرذمة عبدالله بن أبي بن سلول التي بغت بتنغيصها على الصفوة المختارة في أحد، والمريسيع، والخندق، والحديبية.
كل فطنة ولو ضد الفساد، يعتبرها معتوهو البصائر فتنة، إلا ما يشغل عن الدين فهو عندهم حرية وتحرر من التنظيم والانضباط التشريعي والروحي.
وبالعكس لم يعتبروا تقاتل أبناء الوطن والدين الواحد كالجزائر، وسوريا، واليمن، والسودان، فتنة، وجعلوها جهادا في سبيل الله، وأجمعوا أمرهم وشركاءَهم، وزكَّوْها بالسياسة وعلماء البلاط.
لقد اصْطَفَّ هؤلاء مع أعداء التَّدين في تسخير كل وسيلة فكريٍّة ومعنوية طائشة، وتكتلٍّ بشريٍّ، وتزويرٍ قانونيٍّ، وإجماعٍ معادٍ، لمطاردة الإسلام، بشعور أوغيره، بقصد حسنٍ أوسيِّءٍ، بعلم أوبغفلة، بحرية أوتوظيف، بولاء أوببراء، وكشفوا أن اختلافهم عنهم مجرد زيٍّ، يُحْبِطُ كلَّ ما تعلموه في القرآن والسنة ومصطلح التوحيد بِعُتْهٍ ذهنيٍّ.
في كل الدول والحكومات والتنظيمات السياسية والعسكرية منها بالخصوص يؤمَر بالتنفيذ وتأجيل الاستفسار إلى وقت ذهاب العَنَتِ، إلا الجهاد في سبيل الله فيُمكَر به، وتكثر عليه المشاكسات أثناء أداء مهمة الاستخلاف الرباني حذرا من حتمية الاستبدال المعاكس.
إن الظلم ليس سجينَ أخذِ الحقوق، أومنعها، أوأكل المال بالباطل، أوكلمة سخط، إنما يتعدى إلى السلوك الفكري، والعملي، والنفسي، في غير محله، لوقوعه تحت ظلام البصيرة والبصر.
فمصطلح الفتنة ظلمه محتقِرو، ومخذِّلو، ومُعيِّرو الرجال نواب الأمة.
إننا ملزمون بمؤازرة نواب العزة في المسلمين إلى أن تضع الحرب أوزارَها، وحينها يحل زمان التحليل والتقويم، لتشجيع الصواب، وتصحيح المسار، لاستئناف مهمة الإكرام الحضاري للأمة.
إن الأبطال الذين عمَّر التوحيدُ والولاء لله ولرسوله ولدينه في قلوبهم، لم يطلبوا غير إلقام الأفواه عن فاحش القول، وغلق الأفئدة أمام سوء الطوايا.
فطمعهم الجنة المُجَوْهرة، ولكم القصور المُزوَّرة.
فلتُسْحَبْ الفتاوى الفاتنة عن الرباط المقدس، فإن انتصروا فبالله، وإن حالت عليهم المعركة فقد كفينا ابتلاءَها.
Tags:
مجتمع

بارك الله فيك استاذنا الكريم على هذا المقال كلمات تكتب بماء الذهب.﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ [ الحج: 46
ردحذف