خلفيات الاستبداد

قليلُ الفهم ينظر إلى ظاهر المستبد وطغيانه وقراراته وإجراءاته وعنفوان سلوكه بحصرية، دون التساؤل عن الدوافع من ورائه تشعل نار إقباله.
مستبدون قاهرون مدفوعون بما يطيل عمر الاستطالة، ولو عُدِمَ الدفع توقفت، وسقطت تماثيلهم، وبلعتهم أمواج تحرر المقهورين.
لكل مستبد جاهزية داخلية، واستعدادات نفسية، وجد لها بطانة وقوة تسندها، تَعَلَّمَتْ نيل مقصودها بالسلطان، ورثها عن سلفه، وإلا فيبني لنفسه ما يسند تدرعه.
الممرن على التواضع لا يبغي على الرعية، وغيره نابتة فيه طينة التجبر، مسايرةٌ نمو أطوار حياته.
لكل طاغية مفسدون يُعْيِيهِمْ حكم الناس عن التحصيل الفردي، فيتخذونه سلطانا يَعَضُّ بقواطعهم، وينهبون بمخلبه، علبًا سوداء غير مرئية، فهامان كان خلفية لطغيان فرعون، ينال بقهره.
غضب الرعية يهدد عروشهم، ومختلساتهم، فيحيطون المستبد بالحديد والنار، يؤمنونه بالإمداد الضامن، إذا شاه وجهه أذنت الخلفيات باستبداله، وتوارت لتتدبر غيره يسطو على شكوى الجماهير بنعومة خادعة، تُسَرُّ قليلا، تداوي كواهِلُهَا جلداتِ الطاغية المخلوع، تنزع الخناجر الطاعنة كالسفافيد، ترتب الخلفيةُ البيت وتهيئه لاستيلاء مُحَدَّثٍ، تنكسر شأفة الغضب، يُنظر إلى الدماء والدموع لِيُشفَقَ عليها، وتُتَّعَظُ بِجَبْرٍ مُكَبِّلٍ، يُتقى إزهاقٌ وبكاءٌ جديدان، لِيُنْتَظَرَ فرج الله.
والكفر خلفية، ثم الضعف الإيماني لدى المسلم، فالصالح ثبت قلبه بقوله تعالى {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}يوسف/24، {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ}المائدة/94، كلما لاحت أبسط معصية كَفَّ هَمَّه عنها، أما الكافر وضعيف الاتصال بربه فهو "أنا وليكن بعدي الطوفان"، لا تنحصر في حكام الأمم، فزعماء تنظيمات وأحزاب منهم جاثمون على عروشها منذ التأسيس.
والغرور خلفية، يدفع بقوة نحو التهور في كل سوء.
والجيوش المستخدَمة، لا الموالية، خلفيات، فالمستخدَمة عادة ما ترمق مصالحَها بالمستبد، والموالية عادة ما تنصح.
والأموال خلفية تُطغي المُتْرَفِينَ حتى الأفراد على الأسر والجيران والعامة في الشارع إلا المتقين، يصورُ له مالُه كبرياءَه، وعلوَّه على غيره، {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}الكهف/34، لا يساوون بحضرته وجه دينار، عُجْبُهُ يُرِيهُمُوهُمْ أقزامًا عن أهلية قربه أومعروفه.
إِنْ جَهِلَ حقيقة المال ورازقَه ووظيفتَه حَسِبَ اغتناه بنفسه، ووضعه في مصير غير مناسب، وهو الظلم بحذافيره، لأنه وضع الشيء في غير مكانه اللائق، ولذلك سمي الشرك ظلما لأنه يضع قيمة الله في غير مكانتها، يرى غيره أفقر منه، فيزدريهم، ويستبد في معاملتهم.
والمناسبة واضحة بين {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ}، و{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}القصص/76و78.
صاحب المال مشغول به لا يسعفه وقته لحكم الناس، فيتخذ مستبدا يفسح له طريق النهب ليبقى إملاء رغباته من الخلف ساريا كالماشي في الظلمة، العدل والمساواة والوضوح وتطبيق القانون يضر استيلاءَه عليه من خزائن بيوت المال العام، يمسك الحاكمَ من اليد الشلاء لِيُثَبِّتَهُ على العرش، ضمانا لمزيد مال سحت، ولا يهمه شَبِعَ الناس أم جاعوا.
والعلم مصدر استبداد لمن تَعَلَّمَهُ للعلم لا للعبادة، يرى كلَّ مَن حوله جاهلين لا يبلغون معارفه، فليسوا أندادَ مجالستِه، ولا نصحِه.
والعشيرة خلفية أنفةً في غير سبيلها، صناديد قريش وزعماؤها كانوا يتجاسرون على المسلمين بالدافعات الخلفية وراءهم من سادات القوم والقبيلة، إباءات كثيرة استبدت بمحاولات الصلح على الدماء.
يعظم في عين السلطان جلال البطانة، فيستبد على غيرها لأمنه خوف الانتقام.
والغيظ الانتقامي خلفية، قد يتربص به مُزَاحٌ عن السلطة قديما، فينذر لئن عاد إليها ليسومنّ خصومَه سوء المراس، والرعيةَ معهم لتواريها عن نصرته.
إلا من خشي الرحمان بالغيب، فيتخذ ما سبق رصيدَ إرضاءٍ لله، فيرضي رعيته لأنه يرقب فيهم الإلَّ والذمة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم